منسق عام باقون|
ركان الضيقة
حين تتحول الأمنيات إلى خيانات… دروس من خذلان الحاضر والماضي
في كل حقبة من التاريخ، كانت الخيانات تبدأ بهمسة أمل زائف أو بوعد سلام مغشوش. يتحول الحلم بالأمن والاستقرار إلى وهم قاتل، سرعان ما ينقلب على الشعوب التي صدّقته، فيدفعون أثمانًا باهظة من الدم والسيادة والكرامة.
خذوا مثلًا اتفاقيات أوسلو: قيل للفلسطينيين يومها إن الاعتراف بالكيان الغاصب ووقف المقاومة سيقود إلى دولة مستقلة وسلام دائم. مرت السنوات، وإذا بالدولة تتبخر، والاستيطان يتوسع، والقدس تُهوَّد أمام أنظار العالم، بينما تُقتل المقاومة في مهدها بحجة الأمن المشترك.
وانظروا إلى اتفاقية كامب ديفيد: خرجت مصر من الصراع العربي – الصهيوني على وعد بأن الرفاه الاقتصادي سيعوّض ما خسرته من أوراق قوة. النتيجة؟ أصبح الكيان الصهيوني أكثر طمأنينة، بينما عانت مصر عقودًا من التبعية الاقتصادية والسياسية.
واليوم، يأتي من يروّج في لبنان لفكرة أن “حصرية السلاح بيد الدولة” هي بوابة الخلاص. لكن أي خلاص هذا الذي يجرّد لبنان من سلاح ردع حمى أرضه وكرامته لعقود؟ إن الدعوة لنزع السلاح المقاوم ليست سوى وصفة استسلام مغطّاة بورق الوطنية. من يرفع هذه الشعارات، عن قصد أو جهل، يفتح الباب لعودة الاحتلال بصور مختلفة: احتلال اقتصادي، أمني، وربما عسكري.
التاريخ القريب يعلّمنا أن الفراغ الذي يخلّفه التخلي عن عناصر القوة لا يملؤه إلا العدو. ولبنان الذي أُريد له أن يكون ضعيفًا في محطات كثيرة، لم يصمد إلا حين كان سلاحه حاضرًا وإرادته صلبة. في تموز 2006، على سبيل المثال، كان هذا السلاح هو الفارق بين الهزيمة والنصر، بين الذل والعزة.
الخطر اليوم ليس في مواجهة العدو، بل في الاستسلام له تحت مسميات خادعة. حين تتحول الأمنيات إلى خيانات، يصبح الثمن وجود وطن كامل على طاولة التفاوض، وتتحول دماء الشهداء إلى مجرد ذكرى تُستحضر في خطابات مناسباتية بلا أثر.
الحكمة تقول: “من فرّط بسلاحه فرّط بأرضه”، والتاريخ يصرخ في وجه من يريد أن يكرّر المأساة. فهل نتعلّم من أوسلو وكامب ديفيد، أم نعيد المشهد بحذافيره على أرض لبنان، حيث يصفّق البعض لوهم سلام، بينما يجهّز العدو لابتلاع ما تبقى من السيادة والكرامة؟
الخيار واضح: إما أن نحافظ على عناصر قوتنا ونتعامل معها كصمام أمان، أو نتحول إلى نسخة جديدة من ضحايا الأوهام، حيث الأمنيات تتحول إلى خيانات… والوطن إلى ذكرى.







