متفرقات

في هذا الوطن، لا تبدأ الحكاية بصوت الانفجار.

في هذا الوطن، لا تبدأ الحكاية بصوت الانفجار… بل بالصمت الذي يسبقه. صمت البيوت الآمنة، حيث كانت الحياة تمشي بهدوء: فنجان قهوة على الشرفة، ضحكة طفل، أمّ ترتّب تفاصيل يومها كأن الغد مضمون.

ثم، فجأة، يسقط كل شيء.

غارة واحدة كفيلة بأن تمحو الإحساس بالأمان. بيتٌ كان مليئًا بالحياة، يتحول في لحظة إلى ركام. عائلة كانت تجتمع حول مائدة، تتفرق بين خوفٍ ودموعٍ ونجاةٍ غير مكتملة. لا إنذار يكفي، ولا وقت للاستيعاب. فقط ثوانٍ تفصل بين “كان” و”لم يعد”.

هناك من ينجو… لكن بأي ثمن؟

أناس يُجبرون على ترك بيوتهم، لا يحملون معهم سوى ما خفّ وزنه وثقل في القلب. يخرجون على عجل، يتركون خلفهم ذكرياتهم، صورهم، تعب سنين طويلة تحوّل إلى رزق بسيط يحفظ كرامتهم. محالّ أُغلقت، أراضٍ تُركت، وأحلام كانت تكبر ببطء… قُطعت فجأة.

الطريق إلى النزوح ليس طريقًا فقط، بل اختبار قاسٍ للإنسان. كيف تشرح لطفل أن بيته لم يعد موجودًا؟ كيف تقنع نفسك أن ما بنيته بعمرك يمكن أن يختفي في لحظة؟ وكيف تعود لتبدأ من الصفر… وأنت لم تنتهِ بعد من وجع البداية؟

وفي الجهة الأخرى، هناك من لم يُمنح حتى فرصة الرحيل. بيوت سُوّيت بالأرض، وأصحابها تحتها. قصص لم تُروَ، وأصوات خمدت قبل أن تُسمع. أحياء كانت تنبض بالحياة، أصبحت شاهدة على غيابها.

ومع كل هذا، يبقى السؤال معلقًا: كم مرة يجب أن يُهدم الإنسان… ليُقال إنه صامد؟

في النهاية، لا تبقى إلا الحقيقة الأثقل: أن من يدفع الثمن دائمًا هم الناس البسطاء… الذين أرادوا فقط أن يعيشوا بسلام.

وكما قال الإمام موسى الصدر:

“لكل شهيد في وطني سأصلي ركعة، ولكل شهيد مسلم سأشعل شمعة”.