منسق عام باقون|
الاستاذ ركان الضيقة
ثلاثية النار والانتظار: نتنياهو، ترامب، ومحور المقاومة
في الشرق الأوسط، لا تُشعل الحروب فقط بضغط الزناد، بل بخطابٍ في واشنطن، أو بتهوّرٍ في تل أبيب، أو بقرارٍ محسوب في طهران.
اليوم، يقف الإقليم فوق برميل بارود تتقاطع عنده ثلاث إرادات متناقضة:
نتنياهو الذي يريد الحرب لينجو،
ترامب الذي يمنعها ليحكم،
ومحور المقاومة الذي يستعد لها ليغيّر وجه المنطقة.
نتنياهو… الهروب إلى النار
منذ أن خرج من معركة غزة مكلومًا سياسيًا ومهزومًا أخلاقيًا، يعيش بنيامين نتنياهو هاجس ترميم صورته أمام الراي العالمي و الداخل الإسرائيلي المنقسم والمأزوم.
هو يدرك أن ما خسره في الوعي لا يمكن تعويضه بالهدوء، لذلك يبحث عن معركة جديدة تخلط الأوراق وتعيد تعريف النصر والهزيمة.
يريد حربًا تُنهي حزب الله، ليقدّم لإسرائيل “مشهد انتصار” بأي ثمن.
يراهن على أن المعركة في الشمال قد تمنحه ما فقده في الجنوب، وأن ضربةً قاسية للبنان ستحوّل الأنظار عن جرائم الإبادة في غزة وتعيد رسم المشهد الداخلي.
لكنّ نتنياهو لا يستمع جيدًا.
فما بعد معركة غزة الأخيرة تغيّرت الحسابات جذريًا: حزب الله ضاعف قدراته الصاروخية الدقيقة، ورفع من مستوى جهوزيته الاستخبارية، ونسّق مع حلفائه في إيران والعراق واليمن ضمن شبكة دعم لوجستي وأمني متطورة.
ومع ذلك، يصرّ نتنياهو على أن الحرب – حتى لو لم ينتصر فيها – ستطيل عمره السياسي، لأن “الفوضى” بالنسبة إليه أفضل من “الهدوء الذي يكشف العجز”.
ترامب… الحذر من النار التي قد تحرق الأبن المنحرف
على المقلب الآخر، يقف دونالد ترامب في موقع مختلف تمامًا.
فهو يدرك أن الشرق الأوسط لا يحتمل انفجارًا جديدًا، خصوصًا بعد الضربات المتبادلة في البحر الأحمر واستهداف قطر والملاحة والنفط، وما خلفته من ارتباك في الأسواق العالمية.
يدرك أن أي مواجهة بين إسرائيل وحزب الله، أو الأسوأ بين إسرائيل وإيران، قد تخرج عن السيطرة الأميركية وتضرب المصالح الاقتصادية الحيوية للولايات المتحدة وحلفائها.
ترامب لا يريد حربًا تشتعل خارج إيقاعه السياسي، ولا يريد أن يرى أسعار النفط تقفز ولا أن تُختبر قدرة واشنطن على حماية إسرائيل.
لكنه في الوقت نفسه، لا يملك رفاهية ترك تل أبيب تغرق في اي مأزق.
موقفه ليس إنسانيًا ولا أخلاقيًا، بل صفقة سياسية واقتصادية بحتة:
فهو يعلم أن حزب الله اليوم ليس كما كان قبل عام وليس لديه ما يخسره وبالتالي ستكون معركته معركة وجودية، وأن إيران لم تعد محاصَرة كما كانت في عهد العقوبات القصوى.
أي حرب الآن، في توقيت خاطئ، قد تُسقط ما تبقّى من النفوذ الأميركي في الخليج، وتفتح المجال أمام الصين وروسيا لملء الفراغ وتوسيع حضورهما الإقليمي.
لهذا السبب، يدفع ترامب باتجاه الردع المضبوط لا الحرب المفتوحة، وباتجاه الضغط السياسي والإعلامي على إيران ومحور المقاومة بدل الانخراط في مواجهة مباشرة.
هو يريد أن تبقى إسرائيل قوية بما يكفي لتخيف خصومها، لا ضعيفة بما يجرّها إلى حرب تُفقدها هيبتها كقوة إقليمية شرق اوسطية لا تُقهر.
إيران وحزب الله… بين القوة والعقل
في المقلب الثالث من ثلاثية النار، تقف إيران وحزب الله بثقة ووعي استراتيجي.
إيران تدرك أن أي حرب ضد أحد أذرعها ستكون حربًا على المشروع بأكمله، ولذلك تمارس أقصى درجات المناورة السياسية والصبر العسكري.
هي تعرف أن المواجهة المقبلة لن تكون كسابقاتها، وأنها إذا اندلعت فلن تُحسم في الميدان وحده، بل على مستوى الخرائط والنفوذ الإقليمي.
أما حزب الله، الذي أعاد بناء نفسه في الظل كما فعل قبل حرب تموز 2006.
جدد شبكات الإمداد والإتصالات، وطوّر منظوماته الصاروخية والدفاعية، واختبر تكتيكات العدو في أكثر من ساحة.
تؤكد تقارير غربية وإسرائيلية متطابقة أن الحزب يمتلك اليوم أكثر من 150 ألف صاروخ، بينها مئات الصواريخ الدقيقة القادرة على إصابة أهداف استراتيجية في العمق الإسرائيلي.
لكن الحزب لا يريد الحرب الآن، لأن بيئته دفعت أثمانًا بشرية واقتصادية قاسية في السنوات الماضية، ولأن أي حرب شاملة قد تؤدي إلى نزوحٍ واسع ودمارٍ اقتصادي سيحاول خصوم الداخل استغلاله لتشويه صورته.
الحزب يريد الحرب إن فُرضت عليه، لا إن اختارها.
يريدها حربًا تفرض معادلات جديدة وتُعيد رسم التوازن الإقليمي، لا اشتباكًا عابرًا أو ردًّا على استفزازٍ محسوب.
وهو يدرك أن محور المقاومة من طهران إلى بغداد وصنعاء يقف خلفه في أي مواجهة محتملة، وأن المعركة المقبلة لن تكون لبنانية فقط، بل إقليمية بامتياز.
من يربح ومن يخسر؟
في معادلة اليوم:
نتنياهو يريد الحرب لأن بقاءه السياسي مرهون بها.
ترامب يرفضها لأنها قد تعيد إيران إلى واجهة الزعامة الإقليمية وتفجّر مصالحه الاقتصادية.
إيران وحزب الله لا يسعيان إليها لأن الوقت يعمل لصالحهما دون قتال.
في الحسابات الكبرى، الحرب ليست قرارًا عسكريًا فقط، بل أداة لإعادة توزيع النفوذ وموازين القوى.
من يفتحها قد يخسر أكثر مما يربح، ومن يمنعها قد يكسب الوقت لبناء معادلاتٍ جديدة.
لكن في نهاية المطاف، يبقى السؤال معلّقًا:
إذا كانت الحرب آتية لا محالة، فمن سيكتب بيانها الأول؟
ومن سيصمد حتى البيان الأخير؟
الثلاثاء 4/11/2025







