بعلبك ـ الهرمل: بين قسوة الرواية الإعلامية ووهج الحياة
✍️ بقلم: ركان الضيقة
حين يُذكر اسم بعلبك ـ الهرمل في الخطاب الإعلامي اللبناني، تقفز إلى الواجهة عناوين من قبيل: إطلاق نار، اشتباكات عشائرية، تهريب، توقيف مطلوبين. هذه الصورة النمطية ليست بريئة ولا عابرة، بل هي نتاج سردية ممنهجة، تشظّت عبر عقود من التغطيات المجتزأة والموجّهة، التي تعاملت مع هذه المنطقة كأنها حقل أمني دائم، لا كبيئة نابضة بالحياة والكرامة والانتماء.
لكن، هل هذا التوصيف المأزوم يُنصف الحقيقة؟ وهل الإعلام اللبناني يؤدي فعلاً وظيفة «مرآة المجتمع»، أم يصوغ، عن وعيٍ أو غفلة، خطاباً مجتزأً يعمّق الهوّة بين المركز والأطراف؟
📌 *الإعلام… بين مركزية السلطة ونرجسية الرواية*
الإعلام في جوهره سلطة، لكنه في حالة بعلبك ـ الهرمل بدا وكأنه سلطة عرجاء، ترى بعينٍ واحدة.
في كل مرة يقع إشكال أمني — كما يحدث في أي منطقة لبنانية أخرى — تتصدّر بعلبك العناوين، وتُختزل المنطقة بأكملها بحدث دموي عابر.
أما حين يشهد هذا الإقليم نشاطاً ثقافياً، أو بيئياً، أو تربوياً، فهو إما يُطمَس في الهامش، أو يُختزل في خبر باهت لا يرقى إلى مستوى الفعل.
لقد شهدت المنطقة أخيراً فعاليات نوعية، منها معرض الكتاب الذي احتضن عشرات المدارس والجامعات، وأضاء على رسومات وأعمال فكرية وأدبية لكتّاب محليين ودوليين، إلى جانب ندوات تثقيفية وصحية ورياضية. حدثٌ بهذا الزخم، شارك فيه مئات الطلاب والأساتذة، لم يجد حيّزاً يليق به في أي منابر إعلامية كبرى، وكأن الفعل الثقافي لا يستحق أن ينافس وقع الرصاص في خيال المتلقين.
*الإعلام… بين تشكيل الوعي وتزويره*
لا يمكن إنكار أن الإعلام يلعب دوراً مركزياً في صياغة الوعي الجمعي، لكنه للأسف كثيراً ما ينزلق إلى تكريس الصور النمطية، خصوصاً تجاه الأطراف.
كم مرة سمعنا، ببراءة أو بتعالٍ: «بعلبك؟ ما بتقرب عليها!»
هذا الانطباع ليس عفوياً، بل نتيجة خطاب سلبي، متراكم، متعمد أحياناً، وفاقد للعدالة أحياناً أخرى.
ولكن، لمن يختبر الواقع عن كثب، تظهر صورة أخرى تماماً: – مستشفيات جامعية تقدّم خدمات متقدمة على مستوى الوطن.
– مبادرات نسوية وجمعيات بيئية ورياضية وفنية تسعى رغم شح الإمكانات.
– شركات ناشئة وجمعيات ناشطة تخلق فرص عمل وتنتج معرفة.
– طلاب، وأساتذة، ومثقفون يشكّلون مشهداً حيوياً متقدماً.
*من هيمنة المركز إلى مقاومة الهامش*
في مواجهة هذا التحيّز الإعلامي البنيوي، بزغ ما يمكن تسميته بـ«الإعلام المواطن».
صفحات محلية على منصات التواصل الاجتماعي أخذت على عاتقها توثيق اليوميات الإيجابية للناس: أعراس، إنجازات، مبادرات، لحظات فرح وانتصارات صغيرة.
صحيح أن هذا الإعلام العفوي لا يحلّ محل المؤسسات الإعلامية الكبرى، لكنه يعبّر بصدق عن نبض الناس ويشكّل، ولو بحدّه الأدنى، أداة مقاومة رمزية للخطاب المجحف.
*نحو عدالة إعلامية لا مواربة فيها*
المطلوب ليس تبييض صورة المنطقة، ولا تجاهل التحديات الأمنية والاجتماعية التي تواجهها، بل تقديم صورة متوازنة، كاملة، إنسانية.
فالعدالة الإعلامية لا تعني مجاملة الأطراف، بل إنصافها؛ لا تعني تغييب المشاكل، بل الإضاءة بالمقدار ذاته على عناصر القوة والكرامة والإنجاز.
إذا كان من حق الإعلام أن ينقل حادثة إطلاق نار، فمن الواجب الأخلاقي والمهني أن ينقل أيضاً افتتاح مكتبة عامة في بدنايل.
وإذا كان يحق له أن يتابع توقيف مطلوب، فمن الواجب أن يحتفي بفوز طالبة من رأس بعلبك بمسابقة عالمية.
وإذا بث خبر مشاجرة عشائرية، فمن حق الناس أن يسمعوا أيضاً عن ندوة حوارية في اللبوة.
*خاتمة: بعلبك ـ الهرمل… بوصلة الحياة لا ميدان الدم*
إن بعلبك ـ الهرمل ليست رقعة أمنية على خارطة الوطن، بل هي مجتمع حيّ، مليء بالقصص التي تستحق أن تُروى، لا أن تُطمَس.
هي ليست فقط بوابة البقاع، ولا فقط بلاد القلعة ورأس العين، بل نافذة مشرّعة على الأمل، وميدان لتجربة إنسانية مقاومة، ومختبر دائم لتجاوز الصور النمطية وكسر حواجز المركزية الثقافية والسياسية.







