الرئيس بري… في مواجهة خصوم الداخل: حكمة السبعينات تعود في وجه مؤامرة اليوم
غنى شريف
لم يكن الرئيس نبيه بري يومًا لاعبًا هامشيًا في المشهد اللبناني، بل كان دائمًا حجر أساس في التوازنات الدقيقة، التي غالبًا ما جنّبت البلاد الانزلاق إلى هاوية الفتنة والانهيار الكامل. واليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود من الحضور السياسي الصلب، يعود الرجل إلى واجهة المواجهة مع الداخل ، في لحظة تُشبه إلى حد كبير محطات مصيرية عرفها لبنان في السبعينات والتسعينات وما بعد عام ٢٠٠٥
في المشهد الراهن، تتعالى أصوات داخلية – سياسية وإعلامية – تتقاطع في خطاب هجومي مباشر على الطائفة الشيعية ، في محاولة لفكّ عرى التفاهمات الوطنية التي حافظت على حدّ أدنى من الاستقرار. هذه الهجمة، التي تأتي في توقيت إقليمي حساس، تُقرأ لدى كثر كجزء من “مشروع موجه لإضعاف الجبهة الداخلية في لبنان، واستهداف الثقل السياسي والشعبي للمقاومة”، لا سيما في ظل التصعيد الإسرائيلي المتواصل على الجنوب والضاحية.
بري… رجل التهدئة وقت العاصفة
الرئيس بري، الذي خبر الحروب والانقلابات والمؤامرات منذ منتصف السبعينات، لا يبدو مستعدًا لاستخدام السلاح في الداخل، ولا لتأجيج الصراع الطائفي ، بل على العكس، يُراهن من جديد على أدواته الأهم: الحكمة، الحنكة، والذاكرة السياسية الثقيلة، التي أفشلت أكثر من محاولة تفجير داخلي.
ويُعيد في هذه المرحلة التأكيد على ثوابته، إذ قال مؤخرًا في واحدة من رسائله السياسية الحاسمة:
“نحن لم نكن يومًا دعاة حرب أهلية، لكننا لن نسمح لأحد أن يمسّ بوحدة هذا البلد، ولا بكرامة الناس التي سقيناها من دمنا منذ السبعينات.”
الداخل في خدمة الخارج؟
من الواضح أن بعض الأطراف الداخلية تسير في ركب تطبيع العلاقات مع إسرائيل ولو بشكل غير معلن، أو على الأقل تُسهّل تمرير أجندات تتقاطع مع مصالح تل أبيب. فالهجوم المنظم على قيادة الطائفة الشيعية، والتشكيك بدور حركة أمل، وتهميش موقع الرئيس بري، لا يمكن فصله عن رغبة إسرائيل في تفكيك الجبهة الداخلية اللبنانية ، لا بالحرب، بل بالتفتيت السياسي والاجتماعي.
مواجهة ناعمة… لكنها حاسمة
في مواجهة كل هذا، يبدو أن بري اختار ساحة المواجهة السياسية لا الأمنية. فالرجل الذي يعرف دهاليز السلطة ويُتقن لعبة التوقيت، يُدرك أن الردّ على الهجمة لا يكون بالشعارات، بل بضبط الساحة الشيعية، واحتضان الشارع، وتمتين التحالفات مع الحلفاء التقليديين ، وأبرزهم حزب الله.
خلاصة
لبنان اليوم أمام مفترق جديد، لا يقل خطورة عن المفترقات السابقة. والرئيس نبيه بري، بكل ما يمثله من “رمزية وطنية وذاكرة صراعية” ، يقف مرة أخرى في نقطة الدفاع، لا عن موقع طائفي، بل عن صيغة لبنانية باتت مهددة من الداخل والخارج.
في كلمات قليلة تختصر المرحلة، قالها بري قبل أعوام وتبدو اليوم أكثر راهنية:
“لسنا طائفة… نحن تاريخ من المقاومة والشهداء، ولن نُمحى لا بقانون انتخاب، ولا بحملة سياسية، ولا بفتنة صامتة.”







