تستيقظ قبل الجميع.
لا لأن المنبّه رنّ، بل لأن في داخلها قائمة لا تنتهي من المسؤوليات.
تحضّر الفطور، توقظ الأطفال برفق، تسرّح شعورهم، تبتسم لهم… حتى لو لم تنم جيدًا. تخبّئ تعبها في درجٍ صغير داخل قلبها، وتخرج إلى عملها وكأنها كاملة الطاقة.
في العمل، هي الموظفة الملتزمة، الزميلة المتعاونة، المرأة التي يُطلب منها الكثير لأنها “قدّها”.
تنجز، تردّ على الاتصالات، تتحمّل الضغط، وتكتم دمعة حين يرهقها التعب.
لكن لا أحد يرى الساعة في داخلها، تلك التي تذكّرها أن هناك بيتًا ينتظرها، ودفاتر مدرسية يجب أن تُراجع، وطفلًا يحتاج حضنًا، ووجبة عشاء لم تُحضّر بعد.
تعود مساءً، لا لتستريح… بل لتبدأ دوامًا ثانيًا.
تجلس قرب أولادها تشرح الدروس بصبرٍ يحارب الإرهاق، تتابع واجباتهم، تُصغي لمشاكلهم الصغيرة التي هي بالنسبة لهم عالَم كامل.
تحاول أن تكون أمًا حاضرة، لا أمًا متعبة.
تحاول أن تزرع الطمأنينة في قلوبهم، حتى لو كانت تبحث عنها.
وبين كل ذلك… أين هي؟
متى تهتم بنفسها؟
متى تجلس لتشرب قهوتها ساخنة؟
متى تنظر في المرآة لا لتتأكد أنها “مرتبة”، بل لتطمئن أن روحها بخير؟
المرأة العاملة لا تشتكي كثيرًا.
تعوّدت أن تكون السند، لا من يُسند.
تبتسم في الصور، تضحك في المناسبات، وتقول “الحمد لله” حين يسألها أحد كيفها.
لكن خلف هذه القوة… وجع مخفي.
تعب لا يُقال، وخوف دائم من أن تُقصّر في حق أحد.
هي لا تريد تصفيقًا، ولا مديحًا مبالغًا فيه.
تريد فقط تفهّمًا.
كلمة “يعطيكِ العافية” صادقة.
حضنًا دون طلب.
ومساحة صغيرة تكون فيها إنسانة، لا فقط أمًا أو موظفة أو زوجة.
المرأة العاملة ليست خارقة…
هي إنسانة تتعب، تنهك، تبكي أحيانًا بصمت، ثم تمسح دموعها وتكمل.
لأن في قلبها إيمانًا أن أولادها يستحقون، وأن بيتها يستحق، وأن أحلامها أيضًا تستحق.
فلننظر إليها قليلًا بعين رحيمة…
ربما خلف هدوئها معركة لا نراها.






