بعلبك بين الحقيقة والمقابل: الإعلام الذي لا يرى إلا حيث يُدفَع له
منسق عام حركة باقون |
الاستاذ كان الضيقة
لم تعد أزمة بعلبك الهرمل مع بعض وسائل الإعلام أزمة تغطية ناقصة، بل تحوّلت إلى مشكلة أخلاقية تمسّ جوهر المهنة الإعلامية نفسها. فالمنطقة التي تُختصر في نشرات الأخبار بالحوادث أو العناوين السلبية، تُغيَّب عمدًا حين يتعلّق الأمر بالإنماء، بالمبادرات، بالثقافة، بالناس، وبكل ما لا يُدرّ أرباحًا سياسية أو مالية.
السؤال لم يعد: لماذا تُهمَّش بعلبك–الهرمل؟
بل: من قرّر أن التغطية باتت مشروطة؟
في السنوات الأخيرة، بات واضحًا أن جزءًا لا يُستهان به من الإعلاميين، والمواقع الإخبارية، وحتى الصفحات الفنية والاجتماعية، لا يتحرّك إلا ضمن منطق “الدفع مقابل الظهور”. الكاميرا لا تُفتح، والخبر لا يُكتب، والتقرير لا يُنجز، ما لم تُلبَّ الشروط غير المعلنة. وهنا، لا نتحدّث عن إعلان مشروع أو رعاية شفافة، بل عن ابتزاز ناعم يُغلّف بشعارات المهنية والاستقلالية.
الأخطر من ذلك، أن مهنة الإعلام نفسها لم تعد حكرًا على أصحاب الاختصاص والكفاءة، بل تحوّلت عند البعض إلى مهنة من لا مهنة له. دخلها من لم يتدرّب، ولم يتعلّم، ولم يفهم أبجدياتها، حتى باتت نسبة كبيرة ممن يزاولونها لا يميّزون بين الرأي والخبر، ولا بين الحقيقة والإشاعة، ولا بين النقد والتشهير…
ومع هذا الانحدار، أصبح تأسيس المنصات الإعلامية يتمّ بسهولة مقلقة، أشبه بـ فقّاسات البيض: صفحة تُفتح اليوم، موقع يُطلق غدًا، ومنصّة تدّعي الإعلام بعد أسبوع، وبرامج حوارية تنتشر بلا معايير، بلا مرجعية، وبلا أي التزام مهني أو أخلاقي. والنتيجة: ضجيج كثير، حقيقة أقل، ومسؤولية غائبة.
بعلبك الهرمل، بتاريخها، بثقلها الوطني، وبناسها، ليست منطقة هامشية حتى تُعامل كملف مهمل، وليست سلعة إعلامية تُعرض على من يدفع أكثر. ومع ذلك، نرى كيف تُستباح المهنة حين يُطلب “المقابل” بدل الحقيقة، وحين يُستبدل الواجب المهني بحسابات الربح والخسارة.
والأخطر من الصمت، هو الانتقائية. نفس الوسيلة التي تغيب عن معاناة الناس، تحضر فجأة عند أول حادثة، أو أول مشهد يمكن استثماره في الإثارة. هنا لا يكون الإعلام ناقلًا للواقع، بل شريكًا في تشويهه، وفي تكريس صورة نمطية ظالمة تخدم أجندات معروفة.
نعم، لا نعمّم. فهناك إعلاميون شرفاء، ومؤسسات ما زالت تؤمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن المهنة ليست للبيع. لكن الحقيقة المؤلمة أن الأكثرية اليوم اختارت الطريق الأسهل: خبر سريع، مضمون، مدفوع، بلا وجع رأس، ولا التزام، ولا أخلاق.
إن تغييب بعلبك الهرمل ليس صدفة، بل نتيجة مسار طويل من التواطؤ بالصمت، والتقصير المقصود، وتحويل الإعلام من سلطة رقابية إلى سلعة. وهذا ليس اعتداءً على منطقة فقط، بل على فكرة الإعلام نفسها.
بعلبك الهرمل لا تطلب امتيازًا، بل عدالة.
ولا تطلب تلميعًا، بل إنصافًا.
أما الإعلام الذي لا يرى إلا حيث يُدفَع له،
فمشكلته ليست مع بعلبك الهرمل…
مشكلته مع ضميره.







