منسق عام باقون|
الاستاذ ركان الضيقة
الشرق الأوسط بين الهيمنة والتحرر… والمال العربي بين شراء الحماية وشراء الأوهام
منذ قرن ونيف، والشرق الأوسط ساحة اختبار لسياسات الاستعمار القديم والجديد. كلما نهضت فيه قوة، عملت الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل على كسرها وتشتيتها. وكلما تراكمت الثروات في خزائن العرب، حُوِّلت إلى وسيلة ابتزاز وضغط بدلاً من أن تتحول إلى مشروع وحدة وقوة. والسؤال الجوهري اليوم: هل تكفي الأموال العربية لحماية الحكام؟ أم أن الحماية لا تتحقق إلا بالوحدة وبناء منظومة أمنية وسياسية مشتركة؟
المال لا يحمي… الوحدة هي الحصن
تجربة القرن الماضي تُثبت أن المال، مهما تضخّم، لا يصنع أمناً ولا يمنع سقوط العروش. العراق بثرواته النفطية لم يمنع الغزو الأميركي، وليبيا الغنية لم تحمها فوائضها من التمزق، والسعودية والخليج يدفعون مئات المليارات سنوياً لشراء “الحماية” الأميركية، ومع ذلك يعيشون قلقًا دائمًا من أي هزة إقليمية. المال وحده ورقة مكشوفة في لعبة الأمم، تُحرق عند أول عاصفة.
نحو ناتو عربي–إسلامي
الطريق الحقيقي للحماية يمر عبر مشروع تكاملي، سياسي–عسكري–اقتصادي، على غرار حلف الناتو. حين تُفعَّل قوة دفاع عربية مشتركة، وتوضع الأموال العربية في خدمة تسليح الجيوش وبناء الصناعات العسكرية والبحث العلمي، ستتحول هذه الثروات إلى قوة رادعة. عندها ستجد إيران وتركيا وباكستان، وربما دول أخرى، أن مصلحتها الانضمام إلى منظومة إقليمية قوية تكسر الهيمنة الأميركية وتفرض معادلات جديدة.
إنهاء الانقسامات الداخلية
التكتل العربي–الإسلامي لا يعني فقط مواجهة الخارج، بل معالجة الداخل. كثير من النزاعات الطائفية والعرقية والسياسية داخل بلداننا ليست إلا نتاج التدخل الأجنبي. لو امتلكت الدول العربية مظلة أمنية واقتصادية واحدة، لما كان هناك مجال لتغذية الانقسامات. الوحدة تصنع الاستقرار، والاستقرار يفتح باب التنمية، والتنمية تقطع الطريق على الفقر والبطالة والإرهاب.
غزة… الجرح النازف
أليست غزة أكبر شاهد على عبثية إنفاق المال العربي خارج سياقه؟ ملايين الأطفال جوعى ومحاصرون، فيما المليارات تُدفع في واشنطن كجزية لحماية الكراسي. لو استُثمرت هذه الأموال في دعم المقاومة وفك الحصار، لكان المشهد مغايراً تمامًا. غزة تكشف عجز النظام العربي عن تحويل الثروة إلى قوة، وتفضح حقيقة الارتهان للخارج.
إزالة إسرائيل… وإخراج أميركا
حين يلتئم العرب والمسلمون في قوة واحدة، لن تعود إسرائيل “قدراً لا يُكسر”، بل مشروعاً استيطانياً قابلاً للزوال. وحين تدرك الولايات المتحدة أن المنطقة لم تعد ساحة رخوة، ستنسحب كما انسحبت من فيتنام وأفغانستان. وحدها الوحدة قادرة على تحريك العقد التاريخية وتثبيت معادلات رادعة تضع العرب والمسلمين في موقع الندّ لا التابع.
الخلاصة
الثروة العربية إذا بقيت جزية مدفوعة للحماية وشريان لتغذية التطرف والأنقسامات ، فهي وهم سيزول مع أول عاصفة. أما إذا تحولت إلى مشروع تكاملي عربي–إسلامي، فإنها ستبني جداراً من السيادة يقي الشعوب والحكّام على السواء. الهيمنة ليست قدراً أبدياً، والتحرر ليس حلماً بعيداً، شرط أن يتحول المال إلى أداة وحدة وقوة، لا إلى سلسلة قيود من ذهب.







