متفرقات

الذاكرة النضالية للشيعة… من السيوف إلى البنادق/ ركان الضيقة

منسق عام باقون|
ركان الضيقة

الذاكرة النضالية للشيعة… من السيوف إلى البنادق

لم يكن تاريخ الشيعة يوماً تاريخ خضوع ، بل تاريخا حافلاً بالمواقف النضالية التي تجاوزت حدود الجغرافيا والزمان. منذ صدر الإسلام الأول، حين وقفت الشيعة بجانب الحق في وجه الظلم، كانوا يعلّمون أن بذل الدم أرخص من التنازل عن الكرامة، وأن السيف ليس أداة سلطة بقدر ما هو وسيلة حافظة للحق والحقوق.

من التاريخ القديم، بداية من واقعة كربلاء إلى ثورة التوابين وزيد بن علي، أسسوا مدرسةً في الصمود. رغم قلة العدد كانوا الأكثرية في اتخاذ المواقف لعلمهم أن التخاذل يكتب نهايات الأمم، وأن المقاومة وحدها تحفظ الوجود وكرامة الانسان.

لكن الصورة لا تكتمل إذا حصرناها في القتال وحده. فالشيعة في مسارهم لم يكونوا أصحاب السيف فقط، بل كانوا أيضًا أهل فكر وحكمة وسياسة. في عصور مختلفة، كان لهم دور أساسي في إنتاج الفقه والفلسفة والكلام، وأسهموا في بناء مدارس حضارية تركت بصمة على العالم الإسلامي كله. من النجف إلى جبل عامل، ومن بغداد إلى قم، انطلقت نهضات علمية وفكرية لم تقتصر على بيئتهم فقط، بل أثرت في الفكر الإنساني بشكل عام .

سياسياً، كان لهم حضور راسخ في مواجهة الاستبداد، وفي صياغة معادلات التوازن داخل المجتمعات. ففي لبنان مثلاً، لم يكن الدور الشيعي مجرد مقاومة عسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، بل كان أيضًا شراكة سياسية في بناء الدولة ومطالبة دائمة بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية. وهكذا، جمعوا بين البندقية والمنبر، بين الكلمة والموقف، وبين الدم والحكمة.

وفي التاريخ الحديث، تجلّت هذه المسيرة بوضوح. في وجه الاستبداد والاستعمار، وفي مواجهة مشاريع الإفقار والتهميش، لعبت الحوزات العلمية والزعامات الشعبية دوراً مركزياً في صيانة الوعي والهوية. وعندما وصل العدوان الصهيوني إلى أرض لبنان، لم يكن الجنوب ليصمد لولا روح مقاومة متجذرة تولّد من تراكم الذاكرة النضالية.

لقد شكّل السلاح لدى الشيعة عبر المراحل أكثر من مجرد آلية قتالية؛ بل كان دائماً علامة حضور، ودليلاً على أن هناك من يرفض الاستسلام. التاريخ علّمهم أن الأرض بلا قوة تصبح عرضةً للإستباحة، وأن الحقوق بلا قدرة دفاعية تُمحى بسرعة. ولهذا، لا يمكن فصل النقاش حول السلاح عن محور الوجود: إنه مسألة كرامة وبقاء قبل أن يكون حسابًا تكتيكياً.

اليوم، حين تُرفع أصوات تطالب بتجريد المقاومة من أسلحتها تحت شعارات “حصرية السلاح” و”دولة قوية”، يجب قراءة هذا الطلب في سياق أوسع: ليس مجرد نقاش دستوري وتباين في وجهات النظر ، بل مسعى لتفكيك منظومة توازن الحماية التي حفظت لبنان من أن يصبح ملعباً لتجارب إقليمية قاتلة. نزع السلاح هنا لا يعيد الدولة إلى أحضان المواطن، بل يضع البلاد في قبضة توازنات خارجية تستنسخ تجارب الانهيار في أماكن أخرى.

الخاتمة:
الذاكرة النضالية للطائفة الشيعية ليست بندقية فقط، بل عقل مقاوم وحكمة راسخة، ومشروع حياة قائم على العدالة والكرامة. ومن يطالب بنزع السلاح، لا يطلب مجرد تعديل في توازنات القوة؛ بل يطالبهم بالتخلي عن تاريخهم، وأن يمسحوا ذاكرةً صنعتهم أمة، وأن يوقعوا على شهادة وفاة وجودهم. هذا ليس نقاشاً سياسياً فحسب؛ إنه دعوة إلى محو الأمة من جذورها.