متفرقات

التحديات الّتي تواجه الباحثين والباحثات في الدّراسات العليا

قضايا في التعليم العالي.

بعض التّحديات الّتي تواجه الباحثين والباحثات في مرحلة الدّراسات العليا

كتبه: الدكتور/ نور الدين زين العابدين متولي – الأستاذ المساعد بكلية الآداب، جامعة الاسكندرية، جمهوريّة مصر العربيّة.

ما من شك أنّ المرحلة الجامعيّة تختلف اختلافًا بيِّنًا وكليًّا عن المراحل السّابقة عليها؛ إذ إنّ المرحلة الجامعيّة الدّنيا (الليسانس أو البكالوريوس) بمثابة الأرض الصُّلبة الّتي يقف عليها الباحثون لكي يسبروا آفاقًا رحبة في سماء المرحلة الجامعيّة العليا (الماجستير والدكتوراه) والسّبب في ذلك هو أنّ المرحلة الجامعيّة لها تحدّيات ومتطلّبات عدّة قد تذهب بالدّراسين إلى عوالمَ بعيدةٍ إيجابيةٍ تمُكّنهم من بلوغ مرامهم الأكاديميّة، أو قد تعصف بأحلامهم إن لم يتمكّنوا من مجاراة تلك التّحديات ومجابهتها بأدوات حديثة تمُكّنهم من الإفادة منها على المستويات كافّة: أكاديميّة واجتماعيّة وثقافيّة وغيرها .
ولعلّ أهمّ هذه التّحديات الّتي تواجه الدّارسين والدّارسات في مرحلة الدّراسات العليا الماجستير والدكتوراه نراها تتجلّى في طبيعة الدّراسة؛ فنظرًا لتعوّد الطّلاب في المراحل السّابقة على الكتاب الجامعي التّلقيني المرتكن إلى ما يُعرف بالمنهج المحدد في كثير من الجامعات؛ فإنّ ذلك المنهج وتلك المنهجيّة سوف يتغيران بأشكالهما المختلفة في المرحلة الجامعيّة العالية؛ لأنّ الباحث مُطالب بأن يبحث بنفسه عن المعلومات الّتي هو بصدد دراستها عبر العمليّة التّوجيهيّة من قِبل أستاذ المادة أو لنقل الأستاذ أو الهيئة المضطلعة بالاشراف على البحث، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنّ الباحث يتدرّب بشكلٍ واعٍ على آليّة امتلاك أدوات البحث العلمي الرّصين لكي يكون مُعدًا وجاهزًا للانتقال إلى مرحلة التّأليف الواعي الصرف النّابع من بنات الأفكار المنطلقة مما قد جمعه خلال مرحلتي الماجستير والدكتوراه. وهنا تكون مرحلة الدّراسات العليا بمثابة طبقة علميّة جديدة أُضيفت إلى تلك الطّبقة الأولى في المرحلة الدّنيا، وذلك التّراكم نهايته صقل المعلومات من مصادرها والاضافة إليها بالتوسع تارةً وبالتجديد تارةً أخرى في ضوء ما يُعرف بمتغيّرات الحداثة.
ومن بين تلك التّحديات كذلك أن يكون الباحث قادرًا على تحديد ما يريده من بين تلك المحيطات العلميّة الممتدة الأطراف ما بين مشرق الأرض ومغربها؛ شمالها وجنوبها. فنظرًا لتلك الوفرة البحثيّة الكائنة على مواقع البحث العالميّة-الّتي يمكن أن تصل إلى حد التُخمة المعلوماتية- فهناك تحدًّ يواجهه الباحثون والباحثات في كيفيّة الانتقاء من بين المعروض، وكيفية تحديد تلك المواقع الثّقات الّتي من الممكن أن ترفدهم بمعلومات زائفة مصطنعة ليس لها من ثبوتات أو تفيدهم معلومات مهمّة رصينة موثوقة في المادّة العلميّة الّتي يود إرساء دعائم مكوّناتها بصنعة يديه وعقله.
وانتقالاً إلى تحدًّ ثالث يُجابهه دارسو ودارسات تلك المرحلة فإنّه يكمن في آليات التماسك النّصي والربط اللّغوي المحكم للمادّة الموثقة والمنقولة من الكتب المختلفة أو عبر المواقع الالكترونيّة، والسّبب في ذلك -كما ذكرنا آنفًا- يتمحور حول جمع النّصوص المراد قراءتها والاطلاع عليها أملاً في الافادة منها، ناهيك بالطّرائق الّتي يمكن من خلالها إعادة قراءة تلك النّصوص بعين ثالثة مغايرة للعين الّتي كتبت في الموقع أو الكتاب الأصلي، مرورًا بالعين الثانية النّاقلة، وصولاً إلى العين الثّالثة الّتي تحاول صهر ذلك المجموع في بوتقة علميّة واحدة؛ لتُمكن العين الرّابعة المثقفة من هضمها وإفراز ما تمخض عنها بشكل مجرد سليم.
ونصل الآن إلى التّحدي الرابع الّذي يتّشح بالأمانة العلميّة وإسناد الأقوال إلى أصحابها ومؤلّفيها حتى لا نهضم حقوق الملكيّة الفكريّة لمبدعيها أو مبتكريها الّذين تكبّدوا مشاقًا – لا يمكن إنكارها – في سبيل الوصول إلى كتابة اسمهم على مؤلّفاتهم.
وبناءً عليه فإنّ الدّارسين والدّارسات مطالبون بتحري الدّقة العلميّة في النّقل والأمانة العلميّة في التّوثيق.
أضف إلى تلك التحديات عدم قدرة الباحثين والباحثات على إظهار شخصيتهم البحثيّة، والمقصود بالشخصيّة البحثيّة هنا أن يعبّر الباحثون عن رأيهم في بعض النّقاط الّتي يتصدّون للحديث عنها أو إبداء موقفهم من بعض القضايا الّتي تمثّل نقاطًا محوريةً في أضلاع بحثهم.
فعلى سبيل المثال إن كان الباحث يتحدّث عن قضيّة السّاعة المعروفة باسم الميتافيرس Metaverse أو ما وراء الكون أو تداخل عالم الواقع بعالم الخيال؛ فإنّ دور الباحث هنا أن يُبيّن وجهة نظره في تلك المتغيّرات التكنولوجيّة التواصليّة الّتي قد تذهب بعقول النّاس إلى ماوراء الكون أو الواقع، وأثر ذلك في إقامة علاقات سويّة بين النّاس. ولا يكتفي بالاشارة إلى التّأصيل والآراء الّتي قيلت عن ذلك؛ فلابدّ له أن يتّخذ موقفًا مع أو ضد ما يعرضه مع إبداء الأسباب والحجج الّتي يدعم بها رأيه من دون أن يقف موقف النّاقل او المشاهد فقط، ولئن تمّ ذلك – النقل فقط- فقد تعطّل دور الباحث المنوط به أن يؤديه في الأساس، ومن ثم يفقد البحث العلمي هدفه وغايته.
أما آخر تحدًّ سنعرضه، فيدور حول التّوثيق المرجعي والمصدري للكتب العلميّة الّتي أفاد منها وبها الباحثون والباحثات وذلك باتباع مدرسة لا ينبغي أن يحيد عنها من بداية البحث إلى نهايته، فهناك من يعتمد اسم المؤلّف أولاً ثم المرجع ثانيًا، وهناك من يبدأ باسم الكتاب ابتدءًا يليه المؤلف، وهناك ثالث يكتب اللّقب في البداية ثم اسم الأستاذ بعده، فكلّها مدارس ونظريّات تصبّ في معين التوثيق ذاته. ولكن الإشكاليّة الكبرى تكمن في أنّ الباحث يمزج بين ما لا يمكن المزج بينه بأن يغيّر من فصل لآخر أو من مبحث لآخر طريقة التّوثيق، وهذا يُعد خطأ منهجيًا لا يمكن القبول به، ونتيجة لذلك فلابدّ من توجيه الدّارسين والدارسات إلى طريقة واحدة مُعتمدة؛ لكي تتضح ملامح التّوثيق بجلاء من دون خلل أو إخلال.
وفي النّهاية لا يمكننا أن نقول إن ما ذكرناه آنفًا هو كل التحديات بل إنه قطرة من غيث؛ إذ إنّ هناك تحديات جمّة لا يمكن حصرها في مقال واحد؛ ولكنّنا آثرنا الاختصار أملاً في تدارك ما قد ذُكر، ولعلّنا نسلّط الضّوء على بعضها لكي يتمكّن الباحثون والباحثات من خوض غمار البحث العلمي بأدوات ثابتة راسخة الأركان.