الهرمل أول من إستشرفت أن الحكومة ورئيسها رهن الإملاءات الخارجية
كتب علي شفيق مرتضى
٢٧ آذار ٢٠٢٦
في آب ٢٠٢٥، فتح تحقيق أمني لمعرفة الفاعل ، والجريمة تعليق صورة لرئيس الحكومة نواف سلام وقد بُصم جبينه بنجمة داوود وكتب عليها : “العميل لا طائفة له ولا ديانة”.
لم يتم يومها معرفة صاحب اللافتة رغم أنها بُصمت بإسم اهالي الهرمل.
لم تكن تلك اللافتة مجرد صورة معلّقة في أحد أزقة الهرمل. كانت حدثًا صادمًا، أثار موجة استنكار واسعة، وانهالت الإدانات من مختلف القوى الحزبية والعائلية، في مشهد عكس حينها رغبة عامة في التهدئة ومنح الحكومة ورئيسها فرصة.
يومها، قيل إن الفعل مرفوض، وإن الأسلوب مستفز، وإن التوقيت خاطئ. لكن الزمن، كعادته، لا يكذب.
اليوم، وبعد سلسلة من المواقف والقرارات التي أثبتت انحياز هذه الحكومة، لم يعد السؤال: لماذا رُفعت تلك اللافتة؟
بل: كيف سبق صاحبها الجميع في قراءة المشهد؟
لقد تبيّن أن ما اعتُبر يومًا تجاوزًا، كان في جوهره استشرافًا. استشرافًا لحكومة بدت منذ بدايتها عاجزة عن حماية سيادة البلاد، ومنصاعة لإملاءات الخارج، تسير في خطّ لا يشبه تاريخ لبنان ولا تضحيات أبنائه.
لبنان الذي لم يُبنَ على التبعية، ولن يُحكم بمنطق الإملاءات. لبنان الذي حمى نفسه بنفسه، ووقف في وجه الاحتلال والعدوان، لن يقبل أن يُدار بعقلية الخضوع السياسي أو الارتهان الدبلوماسي.
إن القرار الأخير بطرد السفير الإيراني لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل محطة كاشفة. محطة وضعت الحكومة أمام اختبار وطني، فسقطت فيه، وكشفت عن نهج يبتعد أكثر فأكثر عن مفهوم السيادة المتوازن، ويتجه نحو اصطفافات خطيرة تهدد وحدة البلد واستقراره.
من هنا، فإن من علّق تلك اللافتة، رغم بقائه مجهولًا، لم يكن مجرد شخص عابر، بل كان صوتًا مبكرًا لما بدأ يتضح اليوم. صوتًا قرأ في الاتجاه الصحيح حين أخطأ كثيرون في التقدير.
لكن، ومع ذلك، فإن المعركة اليوم ليست معركة لافتات ولا شعارات. بل معركة وعي ومسار. معركة استعادة القرار الوطني من أي ارتهان، أياً كان شكله أو مصدره.
لبنان لا يُبنى بالتحريض، بل بالثبات. ولا يُحمى بالانفعال، بل بالموقف الصلب الواضح. والمقاومة، التي كانت دائمًا عنوان الكرامة، ليست مجرد بندقية، بل أيضًا موقف سياسي يرفض التبعية ويرفض تحويل الوطن إلى ساحة تنفيذ لمشاريع الآخرين.
إن الدعوة اليوم ليست لتكرار ما حدث، بل لفهمه. ليست للتصعيد، بل لتصحيح المسار. لأن الأوطان لا تُنقذ بردود الفعل، بل ببوصلة وطنية لا تنحرف.
وفي زمن الالتباس، يبقى المعيار واحدًا:
كل من يحفظ سيادة لبنان هو في موقعه الطبيعي، وكل من يفرّط بها، أيًا كان موقعه، يضع نفسه في مواجهة مع شعب لا يقبل أن يُحكم إلا حرًا.






