متفرقات

حين يصبح الإفطار موعداً مع الفقد: وطنٌ يُذبح على مرأى الضمير العالمي/سحر الساحلي

حين يصبح الإفطار موعداً مع الفقد: وطنٌ يُذبح على مرأى الضمير العالمي

بقلم: سحر الساحلي

في شهرٍ يُفترض أن تُغسل فيه الأرواح بماء الرحمة، سالت الشوارع بدمٍ طازج. عند لحظة الأذان، لم ترتفع الأكفّ بالدعاء وحده؛ ارتفعت سُحب النار فوق البقاع والجنوب، وتقدّمت الصواريخ على التمر والماء. صار الأذان صفيراً للإنذار، وصارت المائدة هدفاً. أيُّ زمنٍ هذا الذي يُختصر فيه بيتٌ كامل إلى خبرٍ عاجل، وتُختصر عائلة إلى رقمٍ في بيانٍ بارد؟

لم تكن السماء سماءً، بل فماً مفتوحاً يبتلع البيوت بمن فيها. لم يكن الركام حجارةً فقط، بل ذاكرةً، وضحكاتٍ، وصوراً على الجدران لم تجد وقتاً لتسقط. في لحظة واحدة، اختفى كل شيء: الأب الذي كان يسكب الماء، الأم التي كانت تعدّ الدعاء، والطفل الذي لم يفهم لماذا انتهت الحياة قبل أن يبدأها،حين يُقتل المدني وهو أعزل، لا يعود للكلمات وظيفة. كل مصطلحٍ يبدو خيانة للحقيقة. لأن الحقيقة أبسط وأكثر فظاعة: هناك حياة كانت هنا… ثم مُسحت. بلا إنذار، بلا رحمة، بلا تفسير يمكن أن يُقنع قلباً فقد نصفه تحت الحجارة.
ما يحدث ليس مجرد موتٍ عابر، بل اقتلاعٌ كامل لفكرة الأمان نفسها. كأن الرسالة واضحة وقاسية: لا وقت مقدس، لا مكان آمن، ولا معنى للانتظار. حتى الدعاء لم يُمهل ليصل.

البقاع والجنوب ليسا جغرافيتين؛ إنهما نبضٌ يرفض أن يُعتاد نزيفه.
يراهنون على تعب الذاكرة، على أن يتحول المشهد إلى اعتياد، وأن يصبح الكفن خبراً قصيراً أسفل الشاشة. لكن الذاكرة لا تُروَّض، والأرض لا تنسى أسماء أبنائها.
الأمهات اللواتي ينفضن الغبار عن صورٍ ممزّقة، يكتبن تاريخاً لا تمحوه نشرات المساء.
هناك، لا تبكي الأمهات فقط أبناءهن، بل يبكين الزمن الذي توقف.
هناك، لا يُرفع الركام بحثاً عن ناجين فقط، بل بحثاً عن معنى. لأن forwarding الحياة بعد هذه اللحظة لم يعد أمراً بديهياً، بل معركة داخل الروح نفسها.
يعتقد البعض أن الوجع يبهت مع الوقت. لكنه لا يعلم أن بعض الوجع يتحول إلى جزء من هوية المكان. وأن الأرض التي شربت هذا القدر من الألم لا تنسى، حتى لو نسي العالم

إلى العالم الذي يسمع ولا يُصغي
كم يجب أن يُفقد بعد، كي يُفهم أن ما يحدث ليس رقماً؟
كم يجب أن يُمحى، كي يُدرك أن الحياة ليست تفصيلاً؟
وكم يجب أن يُدفن، كي يُولد الضمير من جديد
كم مائدةً يجب أن تُطفأ شموعها بدمٍ كي يشتعل ضمير العالم؟
كم بيتاً يجب أن يُمحى من الخريطة كي تُستعاد إنسانية السياسة؟؟

ختاماً…
ليس الموت وحده هو المأساة، بل أن يحدث وكأنه أمرٌ عادي.
ليس الفقد وحده هو الكارثة، بل أن يُستقبل بلا غضب.
سيأتي يوم يُسأل فيه الجميع: أين كنتم حين كانت الحياة تُطفأ بهذه السهولة؟
وعندها… لن يكون للصمت جواب.