لن نلطّف لهجة بعد اليوم، ولن نوارب المعنى. بل سنرفع الصوت أكثر، لأن ما يجري في وزارة التربية لم يعد يحتمل ولا سيما في المديرية العامة للتربية.
الطابق العاشر في وزارة التربية، المخصّص أصلاً للمديرية العامة للتربية، أي رأس الهرم الإداري، ومرجعية كل الوحدات التربوية داخل المبنى وخارجه، والمشرف على المناطق التربوية في المحافظات… هذا الطابق تحوّل عند البعض إلى غرفة عمليات للفوضى لا لإدارة الدولة.
إلى مصنع إشاعات لا إلى مكتب مسؤولية.
إلى منصة تسريب لا إلى مركز قرار.
نعم، هناك من لا ينفكّ عن تسريب المستندات، لا لفضح فساد حقيقي، بل لإرضاء “تكترجية” فقدوا كل صلة بالمهنية، يقتاتون على الفضائح، ويعيشون على تضخيم الأكاذيب، ويحوّلون الورقة الإدارية إلى قنبلة دخانية.
الهدف ليس الإصلاح، بل البلبلة.
ليس الشفافية، بل التشويه.
ليس المحاسبة، بل كسر الرقاب المعنوية لموظفين يقومون بواجبهم في ظروف أقلّ ما توصف به أنها كارثية.
وهنا بيت القصيد:
حين تصدر الفوضى من أعلى الهرم، تصبح عدوى.
حين يُكافأ المسرِّب، يصبح التسريب ثقافة.
وحين يُترك المفبرِك بلا مساءلة، تتحوّل الأكذوبة إلى “خبر”، ويُداس القانون تحت حذاء السبق الصحافي الرخيص، هذا إنّ كان صحافة فكيف إذا كانوا هلافيت الليل.
أيّ تربية هذه؟
وأيّ وزارة؟
وأيّ دولة يُراد بناؤها حين يُدار المرفق العام بعقلية الثأر الشخصي، لا بعقلية الخدمة العامة؟
نعم ، أي دولة مؤسسات عندما يتحول رأس الهرم الى أفعى رقطاء تنسل تحت التبن ، لتنقض بحقد وكراهية على كل من يعمل بجد وشفافية بطريقة مؤذية وحقيرة في آن.
ما يحصل هو اغتيال إداري منظّم:
اغتيال للثقة بين الموظف وإدارته.
اغتيال لهيبة المؤسسة.
اغتيال لمفهوم السرّ الوظيفي.
واغتيال لكرامة موظفين يُتركون مكشوفين أمام حملات تشهير ممنهجة، بلا حماية، بلا ردّ، بلا موقف.
الأخطر من التسريب نفسه، هو الصمت عنه.
والأخطر من الفبركة، هو التعايش معها.
والأخطر من “التكترجي”، هو الموظف الكبير الذي يهمس له، ويغذّيه، ويستعمله كأداة قذرة لتصفية الحسابات.
الدولة لا تُدار بالوشوشة.
والوزارة لا تُحكم بالملفات المسرّبة.
والتربية لا تُصان بتكسير موظفيها.
إن كان ربّ البيت بالطبل ضاربًا، فطبيعي أن يرقص من تحته الهلافيت..
لكن غير الطبيعي، وغير المقبول، وغير المسكوت عنه بعد اليوم، أن يُطلب من الشرفاء أن يصمتوا، ومن المظلومين أن يتحمّلوا، ومن الدولة أن تتظاهر بأنها لا ترى.
هذه ليست فوضى عفوية.
هذه سياسة فوضى.
ومن يزرعها في قلب وزارة التربية، يتحمّل كامل مسؤولية الانهيار المعنوي قبل الإداري.






