متفرقات

إعلام يشبه حكّامه… وسلطة رابعة تبخّ السموم ذاتها/ركان الضيقة

منسق عام باقون|
الاستاذ ركان الضيقة

إعلام يشبه حكّامه… وسلطة رابعة تبخّ السموم ذاتها

لم يعد المشهد الإعلامي في لبنان انعكاسًا للسلطة… بل صار مرآتها الحقيقية.
كما تتخبّط السلطة الحاكمة في تناقضاتها وعجزها، يتخبّط الإعلام في انحيازاته وفوضاه، فيعيد إنتاج السموم نفسها ولكن بوتيرة أعلى، ونبرة أشدّ، وتأثير أوسع.
لقد سقط الجدار بين السلطة الرابعة والسلطة السياسية:
كلاهما اليوم جزء من ماكينة واحدة تُعيد تدوير الأزمات لتوردها لجمهورٍ مُنهك يبحث عن حقيقةٍ تتبدّد في زحمة الضجيج القاتل.

في زمنٍ كان يُفترض فيه أن تكون الكلمة سلطة رقابية، تحوّل الإعلام إلى ساحة اشتباك.
المهنية تراجعت، المعايير اختفت، والتحليل صار انفعالًا، والرأي صار معركة، والمعلومات باتت تُصاغ بحسب التمويل أو الولاء أو التوجّه، لا بحسب الحقائق.
هكذا فقد الإعلام دوره، وصار يتنقّل بين التحريض والتضليل، يوزّع الاتهامات كما توزّع السلطة الوعود… بلا مسؤولية وبلا محاسبة.

وفي هذه الفوضى، برزت برامج البودكاست كقوة جديدة — أخطر وأعمق — لأنها بلا قيود، بلا تحرير، بلا مدققين، وبلا سقف.
تكفي كاميرا رخيصة وميكروفون بسيط ليصبح الفرد “خبيرًا”، يصوغ للرأي العام قصة جاهزة، يُسوقها كحقيقة، ويزرع في المجتمع قناعات هشّة تُبنى على الإثارة، لا على المعرفة.
البودكاست اليوم سلطة خامسة، ولكنها سلطة فالتة، تنتج رأيًا عامًا أسرع من قدرة الناس على التفكير، وأخطر من قدرة الدولة على الضبط.

لكن الأخطر من الإعلام التقليدي والبودكاست… هو المواطن نفسه.
كل فرد أصبح وسيلة إعلامية مستقلة:
صفحة، فيديو، بث مباشر، تغريدة…
كلها قادرة أن تصنع أزمة أو تشعل شارعًا أو تُدمّر سمعة أو تنشر كراهية في لحظة واحدة.

بهذا الشكل تحوّل المجتمع إلى مصنع ضخم للتفاهة والسموم:
– محتوى بلا ضوابط
– شائعات بلا مصادر
– مواقف بلا ضمير
– حملات بلا مسؤولية
– توتر ينتشر أسرع من الضوء

إنها فوضى لا تخضع لقانون، ولا تُحاسَب بمعيار، تُربّي أجيالًا تتحرك وفق الانفعال، لا وفق العقل؛
تبحث عن الرواج، لا عن الحقيقة؛
وتستبدل الوعي بردّات الفعل.

وإذا كانت الدولة عاجزة عن تنظيم الكهرباء والماء، فإنها اليوم مطالبة — مضطرة — بتنظيم الفضاء الرقمي، لأنه أصبح أخطر من أي سلاح، وأعمق تأثيرًا من أي خطاب سياسي.
من يريد بناء دولة فعلًا، لا بد أن يبدأ من هنا:
من وضع معايير للنشر، قوانين للتحريض، مسؤوليات للمنصات، ورقابة ذكية تردع من يعبث بالسلم الأهلي عبر شاشة هاتف.

أكثر من ذلك، يمكن تحويل هذا الفضاء — بكل فوضاه وأرقامه وأرباحه — إلى مصدر تمويل وطني.
ضريبة عادلة ومدروسة على المحتوى التجاري والمؤثر والمنتج رقميًا، لا تُرهق الناس بل تستهدف رأس المال الرقمي الضخم، يمكن أن تمنح الدولة موردًا ثابتًا، وتمنح الأجهزة الأمنية دعمًا ذاتيًا لا يحتاج إلى منّة أحد.

بهذه الضريبة يمكن للأجهزة الأمنية أن تستغني تدريجيًا عن المساعدات الريعية من هنا وهناك.
فالدعم الخارجي الذي يأتي تحت عنوان “مساعدة الجيش” أو “تعزيز الأمن” لا يكون بلا أثمان سياسية، ولا يخلو من رسائل ونفوذ وشروط غير معلنة.
أما التمويل الوطني النابع من اقتصادنا الرقمي، فيُعيد للمؤسسات استقلاليتها، ويمنحها قدرة سيادية على اتخاذ القرار بعيدًا عن حسابات المانحين ومصالحهم.

بهذا المعنى، يصبح تنظيم العالم الرقمي خطوة سيادية، لا مجرد إجراء تقني؛
خطوة تُعيد للدولة هيبتها،
وللمؤسسات استقلاليتها،
وللمجتمع وعيه،
وللجيل الجديد القدرة على أن يرى الحقيقة خارج فوضى الشاشات والهواتف والمقاطع القصيرة.

إن لبنان لا ينهار فقط بسبب أزمته الاقتصادية…
إنه ينهار لأن وعيه يُختطف يوميًا من محتوى منفلت يصنع خوفًا، ويوزع كراهية، ويغذّي العصبيات، ويدفع المجتمع إلى هاوية لا قعر لها.
وما لم تُفتح معركة تنظيم الإعلام — من الشاشة إلى الهاتف، ومن البث إلى البودكاست — فلن تكون هناك دولة قادرة على حماية نفسها، ولا مجتمع قادر على حماية عقله.

إعلام يشبه حكّامه… وسلطة رابعة تبخّ السموم ذاتها،
ولبنان لن ينهض قبل أن يستعيد وعيه من بين أنياب الفوضى التي تتخفّى خلف شعار “حرية الرأي”.

error: Content is protected !!