متفرقات

من استنزاف الأهداف إلى استنزاف الأعصاب: معادلة المقاومة الجديدة/ركان الضيقة

منسق عام باقون|
الاستاذ ركان الضيقة

من استنزاف الأهداف إلى استنزاف الأعصاب: معادلة المقاومة الجديدة

تكتيك جديد… ورؤية مختلفة

يتّضح اليوم أنّ الشيخ نعيم قاسم يعتمد نهجًا مغايرًا في إدارة المواجهة. فهو يميل إلى إخفاء القوة إلى حين الحاجة القصوى، في مقابل الأسلوب الذي اعتمده السيد حسن نصرالله طوال سنوات، والقائم على إظهار القوة كوسيلة ردع فعّالة قبل استعمالها.
هذا التحوّل في النهج ليس تبدّلًا في العقيدة، بل في آلية توظيف عناصر القوة. فالقائد الجديد يقرأ المشهد ببرودة أعصاب، متكئًا على تجربةٍ أثبتت أنّ السكوت أحيانًا أشد وقعًا من الخطاب، وأنّ التهديد الصامت قد يكون أكثر إرباكًا للعدو من أي فعل ناري.

عدوّ بلا أهداف… ومقاومة ثابتة

العدو الصهيوني، الذي يُكثِر من التهديد بالحرب، يدرك في العمق أنّه خسر بنك أهدافه في الجولة السابقة. فقد نفّذ كل ما استطاع الوصول إليه:
اغتال الرجل الأول والثاني في هيكل المقاومة، واستهدف معظم الكوادر الميدانية، وخزانات الدفاع الجوي، والمنشآت الحيوية، ومراكز القيادة، وحتى عائلات المقاومين والجرحى، ولم يدّخر وسيلةً إلا واستعملها.

ورغم ذلك، لم يتمكّن من كسر المقاومة ولا من زعزعة بنيتها. بل على العكس، خاضت المقاومة حربًا استمرّت 66 يومًا متواصلة، كانت من أقسى الجولات عليها، ومع ذلك بقيت متماسكة، قوية، منظّمة، قادرة على الردّ، وعلى إدارة النار والسياسة في آنٍ واحد.
في حين اعتقد معظم الخارج، وبعض الداخل، أنّ المقاومة انتهت إلى غير رجعة، فإذا بها أكثر صلابةً وفاعلية، لتؤكد أنّ ما ظنّه العدو نهايةً، لم يكن سوى بداية مرحلةٍ أشدّ واخطر على ما تبقى من عمر كيانه.

تهويل العدو… صخب العجز

إنّ التهويل الإسرائيلي اليوم ليس إعلان قوّة، بل صرخة عجز. فحين يعجز العدو عن تحقيق هدفٍ جديد، يلجأ إلى استعراضٍ إعلاميٍّ لتغطية فشله الميداني والسياسي.
كلّ التصعيد في اللغة العسكرية الإسرائيلية ما هو إلا محاولة لرفع المعنويات في الداخل المهزوز، بعد أن فقد جيشه عنصر المفاجأة، واستُنزف استخباريًّا ونفسيًّا.

ولأنّ العدو يدرك أنّ أيّ حرب جديدة لن تغيّر شيئًا في موازين القوى، فهو يحاول عبر التهويل الدعائي تعويض عجزه الميداني، في زمنٍ لم تعد فيه الشعارات تنقذ كيانًا يعيش على حافة الانقسام والانهيار الداخلي.

معادلة الردع الجديدة

ما بعد الجولة الأخيرة ليس كما قبلها. لقد تحوّلت المعادلة من استنزاف الأهداف إلى استنزاف الأعصاب.
فالمقاومة اليوم لا تتكلّم كثيرًا، لكنها تُمسك بخيوط الميدان بثقةٍ عالية، والعدو يعرف أنّ أيّ مغامرة جديدة لن تكون إلا بداية النهاية لمشروعه العسكري في الشمال.
ولعلّ أخطر ما يواجهه الكيان الآن، أنّ خصمه ما زال واقفًا رغم كل ما خسر، فيما هو يختبئ خلف تهويلٍ فارغ لا يُخيف أحدًا.
لقد تغيّر شكل الردع، وتحوّل من معادلة “نردّ عند الاعتداء” إلى معادلة أعمق تقول: “نُبقيك متوترًا كلّما فكّرت بالاعتداء”. إنها إدارة الأعصاب قبل إدارة النار.

خاتمة
بين صمت القائد وثبات المقاتل تتشكّل معادلة جديدة:
عدوّ فقد أهدافه، ومقاومة تعرف متى وكيف تُعلن قوتها.
إنها حرب عقول لا صواريخ فقط، ومعركة إرادات لا مسافات.
ومن يفهم موازين الصبر يدرك أنّ النصر القادم مسألة وقتٍ لا جدل، وأنّ في هدوء امين اليوم ما يُربك تل أبيب أكثر من ألف خطاب تهديد.