متفرقات

حزب الله… الأمة التي تقاتل بعقيدة/ركان الضيقة

منسق عام باقون|
ركان الضيقة

حزب الله… الأمة التي تقاتل بعقيدة

في زمن التقلّبات الإقليمية والتحليلات المرتبكة، يخرج البعض
ليتحدث عن “ضعف حزب الله” أو “استعداده للمساومة”، وكأنّهم لم يقرأوا التاريخ القريب، ولم يدركوا أنّ هذا الحزب لا يُقاس بمعايير السياسة العابرة، بل بمعيار الإيمان والعقيدة والتجربة المتراكمة بالدم والتضحيات.

من يعتقد أنّ حزب الله قد يهادن أو يساوم أو يفكّر بتسليم رصاصة واحدة، فهو إمّا مخبول أو غارق في حلمٍ لا يستفيق منه. حزب الله الذي انبثق من قرار الناس، وارتوى من معاناتهم، ونسج قوته من وجعهم وصبرهم، لم يكن يومًا مشروع سلطة أو صفقة، بل مشروع كرامة وهوية ووجود.

لقد خاض الحزب معاركه الكبرى وهو في ظروفٍ أشدّ قسوة مما هي عليه اليوم، ومع ذلك خرج منها أصلب عودًا وأشدّ يقينًا. من حرب تموز إلى معارك أُولي البأس، أثبت أنّ الدم المؤمن قادر أن يصمد أمام آلة الحرب مهما تعاظمت. كيف يُقال إنه قد يلين اليوم، وهو الذي خسر قبل الحرب رجلًا أمميًا بحجم السيد حسن نصرالله، وصفيّه الأقرب، وكبار قادته، وتلقّى ضربة بحجم البيجر، ثم دخل المعركة دون تردّد، ليواجه جيش العدو وحلفاءه، ويصمد 66 يومًا متواصلًا، في ملحمة أذهلت العالم وأربكت كل مراكز القرار العسكري؟

إنّ حزب الله الذي قاتل بعقيدة لا بلحم ودم فحسب، يدرك أنّ المعركة ليست حدودًا على الأرض بل رسالة في التاريخ. لذلك فهو لا يلين أمام الضغوط، لا الدولية التي تُدار من غرف القرار في واشنطن وتل أبيب، ولا الداخلية التي تُخاض بألسنة المرتزقة وأقلام المأجورين. هذه الضغوط بالنسبة إليه ليست سوى موجات عابرة في بحرٍ من الصمود، تُكسر على صخرة الإيمان بعدالة القضية.

من يراهن على إنهاكه سياسيًا أو حصاره اقتصاديًا أو دفعه إلى تنازلات ميدانية، إنما يقرأ المشهد بعيونٍ أعماها الحقد، وغاب عنها أنّ هذا الحزب تربّى على ثقافة الحصار والمواجهة. لم يخرّ أمام الحروب النفسية، ولم يتراجع أمام الطعنات الإعلامية، ولم يتنازل أمام الإملاءات الأممية. فهو اليوم، بعد كل تلك التجارب، أقوى بما لا يُقاس، وأقدر على المواجهة بأدواتٍ أكثر تنوعًا وعمقًا من أي زمن مضى.

كل بندقية في يده هي امتدادٌ لعقيدةٍ راسخة بأنّ الكرامة لا تُشترى، وأنّ الأرض لا تُباع، وأنّ العهد الذي قطعه مع الله والوطن لا يُكسر أمام أي ضغط أو تهديد.

ثمّة بُعد إنساني عميق لا يمكن تجاهله: مصائر فردية غيّرت معادلات جماعات. هناك مقاتلون يحملون في صدورهم جرحًا شخصيًا — أخ سقط شهيدًا، رفيق جُرح، أسرة دُمرت — فصار هذا الجرح محرّكًا لا بالانتقام الفوضوي، بل بالعهد والميثاق. هذا العهد يتحوّل إلى مِيثاق شرفٍ؛ ليس ثأرًا تافهًا، بل وفاءٌ مُدانٍ أخلاقيًا وسياسيًا يربط الذاكرة بالمسؤولية. وهنا يكمن السر: الألم يُؤطَّر داخل عقلانية استراتيجية تضعه في خدمة تثبيت قواعد الاشتباك، وصياغة ردودٍ متوازنة ومدروسة، وحماية الحاضنة الشعبية من المحاولات النفسية والسياسية للتفكيك. بعبارة أخرى، ما لدى المقاتل اليوم من حماسة شخصية يتحول إلى رافدٍ للردع المؤسسي — قوة معنوية تُترجم عبر قرارات عسكرية وسياسية محسوبة، لا عبر اندفاعٍ يطيح بالمصلحة الوطنية أو يفتح باب الفوضى. هذه الديناميكية تُحوّل الوجدان الفردي إلى قوة دولة غير رسمية: تلتقي العاطفة مع العقل، والوفاء مع الانضباط، ليبقى النشاط المقاوم داخل إطار شرعية وطنية واستراتيجية واضحة تُحترم قواعد الحرب والسياسة معًا.

أضف إلى ذلك أن لكل قائدٍ وكل عنصرٍ في صفوف المقاومة عهدًا واضحًا لا لبس فيه؛ عهدٌ قُسِم في القلب قبل اللفظ، وموثقٌ في الضمير قبل الشهادة العامة. هذا العهد ليس هتافًا عابراً، بل ميثاق شرفٍ فردي وجماعي: ميثاقٌ يربط الذاكرة بالمسؤولية، والوفاء بالرشد الاستراتيجي. وقد قسم وعاهد كل منهم أمام سيد الأمة أنه سيحافظ على نهجه ويصون إرثه. فكيف يُتوقع من إنسانٍ أقسم على ولائه للدم والذاكرة أن يسلم رصاصةً واحدة؟! السؤال هنا ليس بلاغة عاطفية فحسب، بل استفسارٌ سياسي وقيمي: من يطلب تسليم السلاح يطلب في الواقع نزع الضمانة من كرامة المجتمع وإضعاف معادلة الردع التي تحمي المدنيين والدولة. ولذلك، يبقى سلاح المقاومة، في وعيهم الشعبي والقيادي، أمانةً لا تُسلَّم، وعهدًا لا يُخالف.

أما الذين يراهنون على تعب البيئة الحاضنة أو تراجع الالتزام الشعبي، فهم لم يعرفوا هذه الأرض ولا ناسها. فهؤلاء الناس الذين قدّموا أبناءهم شهداء، لم يفعلوا ذلك بدافع سياسي أو طائفي، بل من إيمانٍ بأنّ الكرامة لا تُشترى، وأنّ الدم في قاموس المقاومة ليس ثمنًا، بل عهدًا.

لذا، انتبهوا وتيقّظوا، ولا تخطئوا الرهان؛ كما قال شهيد الأمة، ومن واجبنا أن نذكركم بها: فحزب الله الذي حمى لبنان بصموده، وحوّل الدم إلى معادلة ردع، ليس في موقع الدفاع بل في موقع المراقبة الواعية. كل خطوةٍ محسوبة، وكل موقفٍ مدروس، لأنّ من خَبِر الحرب وصنع النصر لا يمكن أن يُستدرج إلى فخٍّ أو يُخدع بشعارات.

إنها معركة “أُولي البأس” — معركة وعيٍ قبل أن تكون ميدانًا. عنوانٌ لمرحلةٍ جديدة من الصراع، لا مكان فيها للمرتجفين ولا للمغامرين، بل لأصحاب البصيرة والعقيدة والإرادة التي لا تُكسر.

ومن يراهن على خضوع الحزب أو تنازله، فليعلم أنّ التاريخ لا يُعيد نفسه أمام من يقاتل بعقيدة، لا تُهزم إرادته ولا تُمسّ قدساته. هذا الحزب لا يُقاس بالوعود الزائفة أو الضغوط العابرة، بل بالإيمان الذي يحمله كل مقاتل، وبالدم الذي لا يُهدر إلا في سبيل العهد والحق.