متفرقات

ركان الضيقة | مجالس بلدية مندفعة… والفشل بالانتظار!

ركان الضيقة | مجالس بلدية مندفعة… والفشل بالانتظار!

في كل دورة بلدية، يتكرّر المشهد نفسه: مجالس جديدة، وجوه شابة أحيانًا، طموحات محلية، برامج معلنة، وحماسة لا تهدأ في الاجتماعات الأولى.
لكن سرعان ما تصطدم هذه الاندفاعة بجدار من الإسمنت المسلّح اسمه: النقص الحاد في التمويل، الشلل الإداري المركزي، والخلافات الداخلية.

فما الذي يُعيق فعليًا أداء البلديات في لبنان؟
هل هو ضعف الخبرة؟ أم غياب التخطيط؟ أم أن المنظومة برمّتها تضع هذه المجالس على سكة الفشل قبل أن تبدأ مهماتها أصلًا؟

 

بلديات بلا أموال ولا أدوات

تشير التقارير الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية والبلديات إلى أن نحو 70% من البلديات في لبنان لا تملك موازنة تشغيلية كافية لتأمين الحد الأدنى من الخدمات اليومية.
وبحسب أرقام صندوق البلديات المستقلة:

أكثر من 650 بلدية لم تتسلّم مستحقاتها كاملة منذ أكثر من 3 سنوات.

قيمة الحصص المتراكمة غير المدفوعة من عائدات الخليوي والميكانيك تتجاوز 1,500 مليار ليرة لبنانية حتى نهاية 2023.

نسبة البلديات التي ما تزال قادرة على تأمين جمع النفايات بانتظام لا تتجاوز 30%.

إنها معادلة قاسية: تطلب الدولة من البلديات أن تكون واجهتها الإنمائية، لكنها تحرمها من أبسط المقومات لأداء هذا الدور.

 

مهام متزايدة… وموارد تتآكل

البلديات اليوم لم تعد مطالبة فقط بتعبيد الطرق أو إنارة الشوارع، بل أصبحت مسؤولة عن:

إدارة ملف النفايات (جمعًا وفرزًا وطمرًا).

تأمين الكهرباء البديلة (مولدات، طاقة شمسية).

توفير مياه الشفة والخدمة.

تنظيم النزوح السوري ومواجهة أعبائه.

دعم المدارس الرسمية والروضات.

صيانة شبكات الصرف الصحي.

متابعة السلامة العامة، ومراقبة البناء والأسواق والتهريب.

وكل ذلك… بلا موازنات كافية.
حتى إن بعض البلديات بات عاجزًا عن دفع رواتب موظفيه وحراسه، فيما يعتمد بعضها الآخر على متطوعين أو يضطر لإغلاق أبوابه أيامًا بسبب العجز الكامل.

 

إهمال مركزي ونظام جائر

من أبرز الأسباب البنيوية لهذا الفشل المتكرر:

1. المركزية الإدارية الخانقة: لا تستطيع البلدية فتح حساب مصرفي، توقيع عقد، شراء أرض، تعيين موظف، أو إطلاق مشروع منتج دون موافقات مسبقة من وزارات عدة.

2. نظام مالي عقيم: البلديات تعتمد على عائدات لا تصل، وعلى رسوم تتقلّص بفعل الانهيار النقدي.

3. غياب الرقابة الإيجابية: الرقابة القائمة هي رقابة تعطيل، لا رقابة تطوير أو مرافقة.

4. تعطيل اتحادات البلديات وتسييسها: رغم إنشائها لدعم البلديات، فإن معظمها إمّا معطّل، أو يعمل شكليًا، أو خاضع لمزاج التلزيم السياسي.

 

 

من الأرقام إلى الواقع: نموذج بعلبك – الهرمل

في قضاء بعلبك وحده، توجد 36 بلدية، بينها بلديات كبيرة (كبلدية بعلبك، النبي شيت، العين، الهرمل) وأخرى صغيرة تكاد لا تتجاوز موازناتها بضعة ملايين شهريًا.

والقاسم المشترك بينها جميعًا:

غياب التمويل المركزي.

غياب فرص التوظيف.

غياب الدعم الفني والتخطيط.

ضغوط متزايدة بفعل النزوح والكثافة السكانية.

بلدية كالهرمل، مثلًا، تغطي جغرافيًا أكثر من 120 كلم²، لكنها لا تملك سوى 3 جرافات مهترئة، خزان مياه متهالك، ومولّد كهربائي يتوقف أسبوعيًا.
أما العديد من البلديات الأخرى، فتلجأ إلى مؤسسات خاصة أو مبادرات فردية لتأمين الحاجات الأساسية، فقط كي تستمر بالحد الأدنى.

وما يحدث في بعلبك – الهرمل ليس استثناءً، بل صورة مصغرة عن واقع البلديات في لبنان.

 

خلاصة إنمائية وعلمية

البلديات ليست رفاهية إدارية.
إنها العمود الفقري لأي تنمية متوازنة ومستدامة.
وما لم يتم تحرير الصلاحيات والتمويل، وتحويل المجالس من كيانات شكلية إلى مؤسسات محلية ذات قدرة واستقلالية، فإن أي اندفاعة، مهما كانت مخلصة أو شابة، ستنتهي إلى المصير نفسه: الفشل المؤجّل.

 

حلول ممكنة وقابلة للتنفيذ

1. إقرار اللامركزية الإدارية الموسّعة، وتحديد مصادر تمويل واضحة ودائمة لكل بلدية.

2. تحويل عائدات الصندوق البلدي بانتظام، بلا وساطة بيروقراطية خانقة.

3. تمكين البلديات من الشراكة مع القطاع الخاص والمنظمات الدولية، بشفافية وإشراف محلي.

4. إحياء اتحادات البلديات كمنصات تخطيط فعلية لا كمكاتب مشلولة.

5. تحديث قانون البلديات ومنح المجالس المنتخبة صلاحيات حقيقية.

 

 

خاتمة

المشكلة ليست في الأشخاص الذين يترشّحون للعمل البلدي، بل في البيئة الموبوءة التي يُزجّون فيها.
إنهم يندفعون، يعملون، يُحاسبون… لكن لا يُدعمون.
وبين الحماسة والواقع، تتكسر الطموحات، ويُعاد إنتاج الفشل.

فهل هناك حقًا إرادة سياسية لإطلاق بلديات ناجحة؟
أم أن الفشل المنظّم… هو السياسة الوحيدة المستمرة؟