متفرقات

ركان الضيقة : من يوأد السياحة في بعلبك؟ بالأرقام والوقائ

 

تقف بعلبك، عاصمة الشمس، شامخة في قلب البقاع، كأقدم شاهدٍ حيّ على الحضارة في لبنان. تختزن حجارتها أعمدة التاريخ، وتتناثر على طرقاتها آثار الأولياء والقديسين، وتصدح مساجدها وكنائسها بصلاة الأزمان المتعاقبة.
ومع ذلك، تُركت هذه المدينة خارج خريطة الاستثمار السياحي، تُستنزف يوميًا بالإهمال، وتُهدر فرصها الثمينة أمام أعين الجميع… بلا مساءلة.

فمن يوأد السياحة في بعلبك؟ وكيف؟

 

غياب التخطيط = خنق متعمّد للسياحة

تمتلك بعلبك مزيجًا نادرًا من المقوّمات:

الهياكل الرومانية المصنّفة ضمن التراث العالمي.

المزارات الدينية لآل البيت والصحابة والأولياء.

الأديرة والكنائس القديمة التي تجسّد تاريخ العيش المشترك.

الطبيعة الجبلية والريفية التي تصلح للسياحة البيئية والشتوية.

لكن كل هذه الكنوز تبقى طيّ النسيان، لأن السلطة المركزية تنظر إلى بعلبك كمجرّد هامش جغرافي لا كوجهة واعدة.
لا مكاتب استعلامات.
لا ترويج فعّال.
لا خريطة طريق.
لا دعم جديّ للقطاع الخاص.
ولا تحديث للبنية التحتية.

وفق أرقام وزارة السياحة اللبنانية لعام 2023، لم تستقطب بعلبك سوى أقل من 8% من مجمل السيّاح الوافدين إلى لبنان، رغم أنها تحتضن أقدم معبد روماني مكتمل في العالم.
في المدينة فندقان مصنّفان فقط لخدمة الزوار الأجانب، مقابل عشرات الفنادق في مناطق أقل أهمية تراثيًا.
أما الرحلات السياحية المنظمة من شركات بيروت، فلا تتجاوز 10 رحلات شهريًا في موسم الصيف، مقارنة بـ40 رحلة أسبوعية إلى جبيل وبيت الدين.

هذه الأرقام لا تحتمل التأويل: السياحة في بعلبك تُختنق بالإهمال الرسمي والقصور المؤسسي.

 

المعالم تذبل… والناس يهاجرون

مقام السيّدة خولة، مزار الصحابي الجليل إبراهيم بن مالك الأشتر، مسجد رأس الإمام الحسين، مقام النبي إلياس، الكنيسة القديمة في بوداي، عين بورضاي الرومانية، دير القديس جاورجيوس… كلها معالم قادرة أن تجعل من بعلبك قبلة للسياحة الدينية والثقافية والبيئية، لو وُجد الحدّ الأدنى من الرعاية.

لكن الواقع يروي شيئًا آخر:

لا صيانة دورية للمعالم.

لا مرشدين سياحيين معتمدين.

لا لوحات تعريفية بالمزارات.

لا تأهيل ملائم للطرقات.

ولا حتى مرافق عامة أساسية للزوار في أغلب المواقع.

وبينما تذبل المعالم تحت وطأة الإهمال، يهاجر أبناء المنطقة بحثًا عن فرصة عيش في مدن لا تملك نصف ما تملكه بعلبك من مقوّمات.

 

من المسؤول؟

من يوأد السياحة في بعلبك؟ الدولة المركزية تتحمّل المسؤولية الأولى، لأنها فشلت في إدراج بعلبك على خارطة السياحة الوطنية.
البلديات بدورها مقيدة، تفتقر إلى التمويل والصلاحيات.
وزارة السياحة تتعامل مع بعلبك كملف هامشي غير ملح.
والقطاع الخاص، المحاصر بالبيروقراطية وغياب الحماية، يقف عاجزًا.

النتيجة واحدة: مدينة ذات قيمة إنسانية كونية تتحوّل تدريجيًا إلى أطلال صامتة.

ماذا يجب أن يُنجز؟

إعداد خطة استراتيجية شاملة تربط التراث الديني بالثقافي بالبيئي.

تطوير البنية التحتية السياحية: مواقف، إشارات إرشادية، مرافق وخدمات.

تدريب مرشدين سياحيين من أبناء المنطقة.

تخصيص بند مستقل لبعلبك في موازنة وزارة السياحة.

إشراك البلديات والهيئات الثقافية والدينية وأصحاب المبادرات المحلية في صياغة القرار السياحي.

 

 

خاتمة

بعلبك ليست مدينة عابرة، بل حاضرة تاريخية تضاهي روما ودمشق والقدس بعمقها الحضاري والإنساني.
لكنها، للأسف، تعامل كهوامش في دفتر الجمهورية.

من يوأد السياحة في بعلبك؟
الإهمال، البيروقراطية، اللامبالاة، وغلبة الحسابات السياسية على التنمية.

لكن الأمل لا يُوأد.
فكل مقالة تُكتب، وكل صوت يُرفع، هو محاولة جديدة لاسترداد المكانة التي تستحقها عاصمة الشمس.