الخامنئي في ذكرى الخميني: حضورٌ مهيب ورسائلٌ تزلزل المنطقة
بقلم: غنى شريف
في الذكرى السادسة والثلاثين لرحيل الإمام الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران، أطلّ المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي، بروح معنوية عالية وحضور استثنائي، في مشهدٍ جمع بين رمزية الزمان وقدسية المكان. آلاف الإيرانيين احتشدوا في مرقد الإمام الراحل جنوب طهران، في تجمّع لم يخلُ من الدلالة السياسية بقدر ما حمل من بعدٍ روحي وشعبي. الخامنئي، الذي بدا واثقاً من موقعه، محاطاً بجماهيرٍ مخلصة، وجّه خطاباً استراتيجياً تخطّى الجغرافيا الإيرانية، ليرسم معالم المرحلة المقبلة في المنطقة، ويعيد التأكيد على النهج الثابت لما تُسمّى بـ”جبهة المقاومة”. لم يكن خطاب المناسبة خطاب تأبينٍ أو استذكار تقليدي، بل كان إعلان موقف وسياسة، بلغة صارمة لا تعرف المجاملة، استهدف فيه الولايات المتحدة بشكل مباشر، قائلاً بنبرة حازمة: ”من أنتم حتى تُقرّروا ماذا تفعل إيران؟!” رسالة الخامنئي إلى أمريكا: زمن الهيمنة انتهى في أحد أكثر مقاطع خطابه وضوحاً وقوة، وجّه الخامنئي رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة، أعاد فيها تعريف موقع طهران في معادلة القوى الدولية، وانتقد فيها بحدّة السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، مؤكداً أن واشنطن لم تعد القوة التي تخيف الشعوب، بل تحوّلت إلى قوة مرهقة، تتخبط في هزائمها من أفغانستان إلى العراق، ومن سوريا إلى غزة. وشدّد الخامنئي على أن “عصر الغطرسة وفرض الإرادة انتهى”، مضيفاً أن إيران لا تنتظر إذناً من أحد للدفاع عن مصالحها أو لدعم حلفائها في المنطقة، وخصوصاً في فلسطين ولبنان. وفي لهجة تحدٍ، حذّر أمريكا من مغبة الاستمرار في محاولات التدخل في شؤون إيران والمنطقة، قائلاً: ”إذا استمررتم في عدوانكم، فستُهزمون مرة أخرى، ولكن هذه المرة لن تقوم لكم قائمة”. دعمٌ مطلق لغزة وحزب الله… وتأكيد على نهاية “إسرائيل” في خطابه، خصّ الخامنئي القضية الفلسطينية بحيّز واسع من حديثه، مشيداً بصمود المقاومة في غزة التي تواجه آلة الحرب الإسرائيلية منذ شهور، وسط صمت دولي وعجز عربي رسمي. وأكّد أنّ ما يجري في غزة ليس مجرد صراع، بل معركة وجود، تمثل جوهر المعركة بين محور المقاومة وقوى الاستكبار العالمي. ”الكيان الصهيوني بات أوهن من بيت العنكبوت، وكل يوم يمرّ في غزة يقرّب نهايته”، قال الخامنئي، وهو يوجّه رسائل دعم واضحة لحركات المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي، مؤكداً أن طهران ستواصل دعمها لهم “بالسلاح، والكلمة، وكل ما يلزم لصمودهم”. وفي السياق ذاته، أشار إلى دور حزب الله في لبنان، واصفاً الحزب بـ”السدّ المنيع الذي يقف بوجه الأطماع الإسرائيلية والأمريكية على حد سواء”. وأشاد بـ”الحكمة والصبر والقوة” التي يدير بها الحزب معادلات الردع في الجنوب اللبناني، مؤكداً أن المقاومة في لبنان “جاهزة، حاضرة، ومتماسكة، وستكون لها الكلمة إذا ما تمادى العدو في عدوانه”. رؤية الخامنئي لإسرائيل: زوال حتمي وواقع يتغيّر الرؤية المستقبلية التي طرحها السيد الخامنئي تجاه إسرائيل لم تكن غامضة أو رمزية، بل جاءت حادة، مباشرة، وحاسمة. قالها بصراحة: “الكيان الصهيوني لن يرى عام 2040″، في إشارة إلى وعده السابق بأن إسرائيل كيان مؤقت، مصيره الزوال. وأكّد أن الأحداث الجارية في المنطقة، من غزة إلى الضفة، ومن لبنان إلى سوريا، تؤكد قرب هذا الموعد، مشدداً على أن ما سمّاه “تيار المقاومة” بات يملك اليد العليا. وأضاف أن الدعم الدولي لإسرائيل بدأ يتآكل، وأن الرأي العام العالمي، لا سيما في الغرب، بدأ يرى بوضوح حقيقة الاحتلال والجرائم المرتكبة في فلسطين، “فما عاد الإعلام قادراً على التغطية، ولا الأكاذيب قادرة على الصمود”، على حد تعبيره. الداخل والخارج: موقف واحد رغم التحديات الاقتصادية التي تمر بها إيران، بدا خطاب الخامنئي معبّراً عن تماسك داخلي وصلابة في الموقف السياسي. الرسالة للداخل كانت أن “النهج لم يتغيّر”، وللخارج: “لن نركع”. وفي الوقت الذي يسعى فيه الغرب لفرض معادلات جديدة عبر التفاوض أو الضغط، يعيد المرشد رسم قواعد اللعبة من طهران، مستنداً إلى جمهور واسع يرى فيه استمراراً لنهج الخميني، وركيزة لثبات الجمهورية الإسلامية. خاتمة في لحظة إقليمية مفصلية، جاء خطاب الخامنئي ليعلن بصوت عالٍ: إيران هنا، لا تساوم ولا تتراجع. تحمي حلفاءها، وترسم معالم الشرق الأوسط الجديد. ولعلّ أكثر ما يختصر رسالته للعالم، هو ذلك السؤال الجريء والمباشر: ”من أنتم؟!”







