متفرقات

كرامي تسير على خطى دياب ووقعت في نفس المطبات

كرامي تسير على خطى دياب ووقعت في نفس المطبات

كتب الدكتور حسن زين الدين:

من مختبر الجامعة إلى مختبر الدولة: التجربة الصعبة

ساهمت الجامعة الأميركية في بيروت عبر تاريخها الطويل في تخريج نخبٍ علمية وسياسية واقتصادية لعبت أدوارًا محورية في لبنان والمنطقة. ولم تغب الجامعة عن حراك تشرين الأول 2019، حين لعب رئيسها – اللبناني الأصل – دورًا داعمًا للحراك، مشجعًا الأساتذة والطلاب على الانخراط فيه والمشاركة في صناعة التغيير.
وفي الحكومة الأخيرة، برز نفوذ الجامعة مجددًا، إذ حازت على أغلبية مريحة داخل الفريق الوزاري، متجاوزة الثلث المعطِّل إلى الأغلبية المطلقة. إلا أن هذا الحضور لا يضمن بالضرورة نجاحًا سياسيًا، فبين السياسة والعلوم السياسية أو الاقتصادية فجوة لا يُستهان بها.

تجربة الرئيس حسان دياب مثال صارخ على هذا التباين. فعندما شغل منصب نائب رئيس الجامعة الأميركية، تولّى وزارة التربية والتعليم العالي في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عام 2011، لكنه سرعان ما أدرك صعوبة المهمة، واكتشف الفرق الشاسع بين أروقة البحث الأكاديمي وبين دهاليز العمل الوزاري. فسلّم المهام الإجرائية لمستشاره، وهو محامٍ نشيط لعب دور “الوزير الفعلي”، بينما انحصر دور الوزير في المهام البروتوكولية. لم تصبّ هذه المقاربة في مصلحة العمل الحكومي ولا في صالح مستقبل التربية في لبنان، لأسبابٍ عديدة يصعب تناولها في هذه العجالة.

اليوم، يبدو أننا نعيد الكرّة مع الدكتورة ريما كرامي، أستاذة مرموقة من الجامعة الأميركية تتولى حاليًا وزارة التربية والتعليم العالي. لكنها، للأسف، تسير على خُطى دياب، إذ وقعت سريعًا في نفس المطبات، وبدأت تتخلى عن ثقل الوزارة لصالح أحد مستشاريها، الذي يمتلك خبرة بحثية تربوية وحضورًا سياسيًا محدود المعالم. ومثل سلفه، يمارس دور “وزير الظل”، لكن دون أن يقدّم حتى الآن أداءً يرقى إلى مستوى تطلعات أهل التربية في لبنان.

الوزارة تعاني من ارتباك واضح، والقرارات الأساسية لا تُحسم، من مصير الامتحانات الثانوية إلى إلغاء الشهادة المتوسطة، وصولًا إلى تعطيل ملفات مركزية تحت عناوين الدرس والاستبيان والتشارك، هذا التخبط يُشير إلى أن “وزير الظل” لا يواكب التغيرات التربوية والقانونية التي ترعى هذا القطاع الحيوي، ما قد يؤدي إلى شلل كامل في العمل التربوي قد يستمر إلى ما بعد الانتخابات النيابية في أيار 2026.

أكتب هذه الملاحظة بكل احترام، ليس انتقاصًا من قيمة أحد، بل اضاءة على أمر جلل استقرأته استنادًا إلى تجربة شخصية اكتسبتها من خلال تواصلي السياسي والأكاديمي مع وزراء التربية، خلال حقبة مديدة تعاملت خلالها مع عدد ممن تركوا بصماتهم، مثل الوزراء: خالد قباني، بهية الحريري، حسن منيمنة، إلياس أبو صعب، أكرم شهيب، مروان حمادة، وعباس الحلبي.

لعلّ في هذا التنبيه ما يدفع إلى مراجعة عميقة للدور الذي تلعبه النخب الأكاديمية حين تنتقل من الجامعات إلى الحكم، وما إذا كانت مهيأة حقًا لتحمّل تبعات القرار السياسي والإداري في بلدٍ معقّد كلبنان.