حرب ممنهجة… والرسالة: لا إعمار بعد اليوم!
بقلم: علي شفيق مرتضى
١٧ ت١ ٢٠٢٥
لم تعد الغارات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني تُقاس بعددها أو بمداها فقط، بل بطبيعة أهدافها التي تكشف بوضوح عن نية مبيتة تتجاوز «الردع» و«الرسائل» العسكرية إلى ما هو أعمق وأخطر: منع الإعمار وإبقاء الجنوب في دائرة الركام.
فبعد أن طالت أكثر من ٨٠٠ آلة من جرافات وحفارات وآليات بناء في مصيلح قبل فترة، تأتي اليوم أكثر من ٥٠ غارة لتستهدف مجدداً الجنوب ووادي سيناي وأنصار، وتضرب كسارة ومعمل باطون بحزام ناري، في مشهدٍ يوحي بأن المطلوب ليس فقط تدمير البنى التحتية، بل شلّ القدرة على النهوض وإعادة البناء.
العدو، الذي يستخدم صواريخ جديدة وغريبة وعنيفة جداً كما يؤكد شهود العيان، يبدو أنه يفتح مرحلة جديدة من الحرب: حرب اقتصادية – عمرانية، عنوانها الضغط عبر الدمار الممنهج. فالاستهدافات المتكررة لمعامل الباطون والمعدات الإنشائية ليست عشوائية، بل جزء من خطة خنق تدريجية، هدفها أن يبقى الجنوب أسيراً للحجر المكسور، والطرقات المدمّرة، والمنازل المهدّمة.
فهل هناك أوضح من ذلك على أن الحرب ممنهجة؟ وهل من شكّ في أن العدو يسعى لمنع أي محاولة لإعادة الإعمار، حتى تبقى القرى الجنوبية شاهدًا على إرهابٍ مستمرٍّ منذ عقود؟
لقد وصل السيل الزبى. وآن الأوان لأن تُقرأ الغارات الإسرائيلية في سياقها الحقيقي: محاولة لتجفيف روح الصمود قبل تدمير الحجر. لكن كما في كل مرة، سيكتشف العدو أن الجنوب لا يُهدم بالصواريخ، لأن ما يُعيد بناءه ليس الإسمنت، بل الإرادة.
وما يزيد الطين بلّة هو الموقف الرسمي للحكومة: همّها الأول والأخير يبدو أن يكون قصّ أظافر لبنان ومكمن قوته — نزع سلاح المقاومة — بينما تُترك قوى العدو تدمّر مقوّمات الحياة.
هذا السلوك غير الوطني ليس مجرد تقصير؛ إنه اختيار سياسي واضح يضع تنفيذ أجندات خارجية فوق حماية لقمة العيش وكرامة المواطنين.
إنها سابقة مخزية أن تضع السلطة همّ «إخضاع السلاح» قبل همّ تأمين أدوات إعادة الإعمار وحماية المدنيين.
هذا الموقف سيُسجَّل — وسيُقرأ — في صفحات التاريخ كعامل مساند لسياسة تقوّض البقاء لا كحماية للوطن.
كيف نفسّر لحظة تتباهى فيها جهة رسمية بمشروعها «ب نزع سلاح» في وقت تُفتَك فيه مقومات البناء والرزق وتهتك أرضه متى تشاء ، تقتل وتدمر؟
هل هناك مثال في التاريخ أقبح من أن تُقدَّم صفقات سياسية على مآسي الناس؟
لا مبرر أخلاقي أو عملي لهذا الانصياع، ولا لبس في أن هذا التركيز الأحادي سيكون مادة سجال أمام الأجيال القادمة، حين يُسأل: من كان مشغولاً بإطفاء نور المقاومة بينما كان الوطن يحترق؟
ولنقارن بالماضي لنعرف كيف تُكتب البطولة فعلاً.
المقاومة الفرنسية في الحرب العالمية الثانية لم تكتفِ بالخطابات، بل نفّذت عمليات ميدانية ضد الاحتلال النازي، ففجّرت سكك الحديد والجسور وخطوط الإمداد، وجعلت نفسها ركناً في معادلة التحرير.
شارل ديغول لم يسعَ إلى نزع سلاح المقاومين، بل إلى توحيدهم تحت راية وطنية واحدة، لأنهم كانوا جوهر السيادة لا تهديدها.
فكيف نبرّر اليوم أن تكون حكومة في لبنان مشغولة بـ«نزع السلاح» بدل توحيد الجهود لحماية البلاد من العدوان؟
لو فعلت فرنسا ما تفعله حكومتنا اليوم، لكان اسمها لا يزال تحت حكم النازيين إلى اليوم!
اليوم ،من يحمينا إذا إعتبرنا السلاح وحده “الخطر”؟
إن ضرب آليات البناء وكسارات الباطون ومعامل الإنتاج هو ضرب مباشر لكرامة الناس واستحالة إعادة الإعمار.
أما موقف الحكومة الذي يضع قضية «نزع السلاح» فوق كل همّ وطني آخر فليس حكمة دولة ولا بعد نظر؛ إنه ضمور سياسي ووطني مريع.
سيُذكر من اختار هذا الطريق في التاريخ،
وإنه لمن العبث السياسي أن يكون اسم الدولة مرتبطاً بسياسات أفقدت الناس وسيلة العيش.
نقول بصراحة: اتركوا التاريخ ليحكم.
لكن حتى التاريخ سيرى أن من اختار قصّ أظافر لبنان في وقت كان ينهار فيه حجرُه ولقمةُ عياله، سيقابل ازدراءً لن يقوى على تبريره.







